موقع سنابل الخير  

مدونة محمد بن حمد الشهري  مساحة اعلانية 
اعلانات الزهور المجانية  مساحة اعلانية 

شريط لحفظ القرآن الكريم

Google

الصفحة الرئيسية

ماذا بعد رمضان ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

     ربّ يسّر لي أمري      

ماذا بعد رمضان!

الحمد لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارىء المصوّر، الواحد الأحد الفرد الصمد، ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ، ينادي في علياءه: ولينصرنّ الله من ينصره، انّ الله لقويّ عزيز * الذين ان منكناهم في الأرض، أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور (الحج 40- 41)

ها نحن ودّعنا شهر رمضان المبارك لهذا العام كما ودعناه في أعوام سابقة ولسنوات طويلة، ولا ندري ان كنا سنودعه في أعوام قادمة، وكما قال تبارك وتعا لى عن يوم القيامة: يومئذ يقسم المجرمون أنهم ما لبثوا الا ساعة،  يوافق قوله سبحانه وتعالى:  كأنهم يوم يرونها  لم يلبثوا الا عشيّة  أوضحاها،  ومن هاتين الآيتين الكريمتين نستخلص أنّ الدنيا ما دامت ساعة فلنجعلها طاعة، والنفس طمّاعة فلنعوّدها القناعة، ورحم الله الامام الشافعي وهو يصوّر لنا نعيم الدنيا الزائل، وأنّ الدنيا كلها بنعيمها لا تعادل مبيت أول ليلة في القبر:

لوعاش الفتى في دهرة                                      ألفا  من الأعوام  مالك أمره

متنعمّا فيها بكل  نفيسة                                      متلذذا  فيها   بنعمى  عصره

لا يعتريه السقم فيها  مرّة                                       كلا!  ولا  ترد الهموم  بباله

ما كان هذا كله في أن يفي                                     بمبيت  أول   ليلة   في  قبره

ورحم الله من وافى هذين البيتين ونصح الناصحين فقال:

فتزوّد   للذي  لا بدّ  منه                                          فانّ الموت ميقات العباد

أترضى أن تكون رفيق قوم                                           لهم  زاد وأنت بغير زاد؟

 

رحل رمضان وما ندري أقبل الله صيامنا وقيامنا ودعائناا؟ أم ردّهم علينا، وكما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المفلس فهناك منا من لا يقبل الله منه لا صلاة ولا صيام ولا حتى زكاة، وفي الحديث الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه يوما: أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم معه ولا متاع، فقال عليه الصلاة والسلام: انّ  المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته،  وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ،أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح  في النار.

 

ورحل عنا هذا الضيف العزيز بنهاراته ولياليه العطرة، وها نحن على أبواب أن نودّع شهر رمضان وشهر الصيام، شهر الصبر،  وشهر التقوى، شهر الرحمة ،  وشهر المغفرة، شهر العتق من النيران.

والآن وماذا بعد رحيله يجب علينا أن نفعل؟ أن نتخذ عند الله عهدا بأن تكون أيامنا وليالينا قريبا من شهر رمضان ان لم تكن رمضان،  فالله تبارك وتعالى في جميع آيات القرآن الكريم يطلب منا أن نكون ربانيّون لا رمضانيون، وكما قال أبو بكر رضي الله عنه لمن ارتد عن الاسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عبارته المشهورة: من كان يعبد محمدا ، فمحمد قات مات، ومن كان يعبد الله فانّ الله حيّ لايموت، وما أشبه اليوم بالبارحة! فهذه قاعدة تطبّق على كل عبادة ،لأنّ من كان يعبد الله في رمضان ، فالله تبارك وتعالى ليس ربّ رمضان فحسب، بل ربّ الشهور والدهور، وربّ الأزمنة والعصور،  لذا كان وجوبا أن نعبد الله في كل مكان وزمان، وعلى أية حال، في الصحة والمرض، في الحل والترحال، في الحرب والسلم، في الفقر والغني، الى أن يأتينا اليقين حتى يتحقق فينا قول الله تبارك وتعالى: واني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى.

وعلى ضوء الآية الكريمة فاني أقول : أول شيء نفعله هو التوبة ، والمقصود بالتوبة هنا التوبة النصوح التي أمرنا بها الله تعالى في قوله الكريم  في سورة التحريم: يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا ، أي توبوا من ذنوبكم توبة صادقة خالصة بالغة في النصح الغاية القصوى، ولما سئل الامام عمر الفاروق رضي الله عنه عن التوبة النصوح قال: أن يتوب  ثم لا يعود الى الذنب ، كما لا يعود اللبن الى الضرع، وعندما سئل قال عنها العلماء قالوا: التوبة النصوح ان كانت تتعلق بحق من حقوق الله فلها ثلاثة شروط: الاقلاع عن الذنب، والندم على ما حدث، والعزم على عدم العودة الى الذنب الذي تيب منه، وان كان هناك حق آدمي فيجب اعادته الى صاحبه، من باب اعادة المظالم الى أهلها، أو طلب العفو والاستسماح من صاحب الحق، ثم الايمان بالله تعالى ربا والاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، والايمان ليس ما يقوله اللسان فحسب، وانما ما يستقر في القلب ويترجمه العمل، لذا كان العمل الصالح ثالث شرط من شروط الفوز بمغفرة الله ورضوانه، وأخيرا الهدى وهو الاستمرار على هذا الايمان وعلى مداومة العمل الصالح حتى الممات، لماذا؟ لأنّ الله تبارك وتعالى قال: واعبد ربك حتى يأتيك اليقين... ( واليقين هنا الموت)

 

انّ رحمة الله تبارك وتعالى واسعة وسعت كل شيء، كما في قوله تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون، ومن قوله تعالى نستدل على أنّ رحمته عزوجل لم تقتصر على نفحات رمضان فحسب، بل هناك في كل ليلة من ليالي الدهر نفحات وما علينا الا أن نتعرّض اليها، فهناك الثلث الأخير من كل ليلة تنزل فيه الرحمات من الله تبارك وتعالى حتى يؤذن الموذن لصلاة الفجر، وهذا ما تجلى في قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي الجليل:

 يا عبادي ! اني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته محرّما بينكم فلا تظالموا... يا عبادي ! كلكم ضال الا من هديته، فاستهدوني أهدكم...يا عبادي! كلكم جائع الا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم... يا عبادي! كلكم عار الا من كسوته، فاستكسوني أكسكم..يا عبادي! انكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستفغروني أغفر لكم... يا عبادي ! انكم لن تبلغوا ضرّي فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتفعوني. يا عبادي ! لو أنّ أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى رجل واحد ما زاد ذلك من ملكي شيئا... يا عبادي ! لو أنّ أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا.. يا عبادي! لو أنّ أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل انسان منكم مسألته ما نقص ذلك مما عندي  الا كما ينقص المخيط اذا أدخل البحر.. يا عبادي! انما أعمالكم أحصيها عليكم، ثمّ أوفيكم اياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ الا نفسه.

 

انّ ما يلزمنا  فقط هو الموالاة... متابعة ما بدأناه في رمضان... وكما كان رمضان يمنعنا عن الحرام بكافة صوره،  أيضا يجب أن نعوّد أنفسنا أن نتحّرى دوما الحلال في معايشنا، وأن نتجنّب كل ما يغضب الله تعالى ، علينا أن نقهر نفوسنا كي يتضاعف الأجر والمثوبة، فالجنة كما ورد في الحديث محفوفة بالمكاره والنار محفوفة بالشهوات، والصبر على المعصية والصبر على تجنّب الحرام ليس له جزاء الا الجنة، وكما ورد الحديث فان طلب الحلال جهاد.

والآن وبعدما انسلخ رمضان وبات في عداد الراحلين، نسأل أنفسنا سؤالا كل منا يدرك اجابته من خلال صلته بمولاه سبحانه وتعالى : هل حققنا فيه التقوى وتخرجنا من مدرسته بشهادة المتقين؟ هل ربينا أنفسنا وجاهدنا شهواتنا وانتصرنا عليها ،  أم غلبتنا شقوتنا بعاداتنا السيئة؟ هل سعينا الى العمل بأسباب الرحمة والمغفرة والعتق من النار؟ أم صمنا وقمنا على اعتبار أنّ الصيام عادة مكتسبة ورثناها عن آباءنا وأمهاتنا؟ هل كنا ربانيّون في رمضان كما في غيره،  أم رمضانيّون فقط  وانقطعنا عن المساجد بعد رمضان؟  هل صامت جوارحنا عن الحرام أم أطلقنا لها العنان فأفسدت صيامنا ونحن لا نشعر؟ هل استفدنا من مدرسة رمضان الايمانية ومحطاته الروحية من تدبر لمعاني كتاب الله ، وتزودنا منه بشحنات  تكفينا بقية العمر؟  أم  أنفقنا ليالي رمضان ونحن نلعب الورق ونتابع حل فوازير الصحف وماكانت تعرضه الشاشة الفضية من مسلسلات وفوازير؟ أسئلة كثيرة تدور في البال ولا يدرك اجابتها الا صاحبها، لأجل ذلك قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي الجليل: كل عمل ابن له الا الصوم فانه لي وأنا أجزي به، لماذا؟ لأنّ كل العبادات قد تشوبها شائبة النفاق، الا عبادة الصوم لأنها ما  بين العبد وخالقه عزوجل.

 

انّ الله عزوجل يقول في كتابه الكريم: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، والنبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على قراءة القرآن: اقرؤوا القرآن فانّه يأتي شفيعا لأصحابه يوم القيامة، فهل أعطينا كتاب الله حقه في التلاوة وتدبرنا معانيه؟ أم تعاملنا معه معاملة من ضرب الله تعالى لنا بها مثلا في سورة النحل: ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا؟

 أي لا تكون كالتي غزلت غزلها لتصنع منه ثوبا، فلما نظرت اليه جعلت تقطع الخيوط خيطا خيطا وبدون سبب، وهذا تماما حال من يرجع الى المعاصي بعد رمضان، بعد أن منّ الله تعالى عليه بتوبة نصوح طيلة شهر رمضان،   والسعيد من استغل رمضان فصامه وقامه ايمانا واحتسابا، صدقا وعدلا، وأعطاه حقه كاملا، وحقق فيه صفات المتقين، واجتهد في مجاهدة النفس، والسعيد من اتعظ بنفسه وعمل لما بعد الموت وحمد الله وشكره وسأله الثبات على ذلك حتى الممات.

 

انّ القاعدة الشرعية تفضي الى أن: استفت قلبك وان أفتاك الناس أوأفتوك... وكل واحد منا يدرك تماما موقعه من الايمان،  وكفى بنا على أنفسنا حاسبين، فالحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات، والسعيد من اتقى الشبهات، نسأله الله تعالى أن يردّنا الى ديننا ردّا جميلا وأن يتقبّل منا جميعا ويهدينا أن نبقى على نهج  رمضان حتى يأتينا اليقين.

وقد ورد في الأثر انّ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كانوا يقسّمون العام الى نصفين، كل نصف مدته ستة أشهر، النصف الأول ويبدأ منذ الليلة الأولى من رمضان وحتى  نهاية ربيع الثاني يبتهلون الى الله ونشيج بكاءهم يسمع له حنين خوفا وطعما في أن يتقبّل الله تعالى منهم رمضان، والقسم الثاني يبدأ من جمادى الأولى وحتى نهاية شعبان يبقون يبتهلون اليه سبحانه وتعالى أن يبلغهم رمضان،  لما فيه من الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وبذلك يبقون على تفاعل مع السنة بعبادة دائمة ، وبتلك العبادة الخالصة الصادقة يكونوا قد حققوا قول الله تبارك وتعالى، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين.

انّ الانسان الخائف الوجل الراجي رحمة ربّه هو فقط الذي يسأل نفسه ان كان الله تبارك وتعالى قد تقبّل منه رمضان أم قصّر في عبادته، ذلك أنه لا يأمن مكر الله الا القوم الكافرون، ولنا أسوة في شيخي وكهلي أهل الجنّة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فكما نعلم أن أبو بكر رضي الله عنه  بلغ بتقواه ما بلغ، لدرجة أن قال عنه عليه الصلاة والسلام: لو وزن ايمان أبو بكر بكفة وايمان الأمة بالكفة الأخرى لرجحت كفة أبا بكر، وأيضا عمر رضي الله عنه والذي بلغ بتقواه درجة النبوة، لقوله صلى الله عليه وسلم: لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: حدثني بفضائل عمر عنكدم في السماء، قال: يا محمد لو مكثت معك ما مكث نوح في قومه ألف سنة الا خمسين سنة، ما حدّثتك بفضيلة واحدة من فضائل عمر، وانّ عمر لحسنة من حسنات أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.

ومع كل تلك الفضائل لأبوبكر رضي الله نجده كثيرا ما كان يقول: والله!  لا آمن مكر الله وان كانت احدى قدميّ في الجنة ، اما عمر رضي الله عنه فكان يقول: لو نادى مناد من قبل الله تعالى يوم القيامة أنّ كل عباد الله يدخلون الجنة الا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الواحد.

الله أكبر... الله أكبر... الله أكبر... اذن أين مكاننا نحن من هذين العملاقين؟ اللهم رحمتك نرجو، ونسألك اللهم أن تجعل نصيبنا من الآخرة من  نصيب عكاشة بن محصن رضي الله عنه.

 

ما هي السلبيات التي  تحصل بعد رمضان، وبمجرد اعلان يوم العيد؟

أول تلك السلبيات وأخطرها هي  نقض العهد، ولو أننا ندرك قيمة العهد عند الله تعالى لما نقض أحدنا عهدا ولو على قطع رأسه، ذلك أن نقض العهد قد يؤدي الى نفاق يعقبه كفر بالله تعالى ودون أن نشعر، وهذا النوع من النفاق لا توبة منه أبدا، لأنّ الله تبارك وتعالى يكون قد خنم على قلب صاحبه والعياذ بالله الى أن يلقاه منافقا، وكلنا يعلم أنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ولا يجب أن نستهين بالأمر، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم بما معنى الحديث: يلقي أحدكم بالكلمة لا يلقي لها بالا من سخط الله فيهوي بها في جهنم سبعين خريفا؟ واصغوا معي أحبتي في الله بآذان القلوب ولبعض الوقت ، لنقرأ معا قصة ثعلبة بن حاطب والذي كان أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الرغم من أنه لم تكن تفوته تكبيرة الاحرام خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أنه مات على النفاق؟ كيف ولماذا؟ هذا ما أتناوله باختصار شديد:

 كان ثعلبة بن حاطب من الصحابة وكانت لا تفوته تكبيرة الاحرام خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ما حدث بعد ذلك أن أصابه الوهن ، وهو حبّ الدنيا وكراهة الموت، وبات يبحث عن الدنيا ويطلبها من خلال الحوار التالي بينه وبين  النبي صلى الله عليه وسلم بدأه ثعلبة قائلا: يا رسول الله ! ادع الله لي أن يرزقني مالا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ويحك يا ثعلبةّ قليل تؤدي شكره ، خير من كثير لا تطيقه، أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فو الذي نفسي بيده لو شئت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت، فألحّ ثعلبة بالطلب على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله لي فرزقني مالا لأعطينّ كل ذي حق حقه، عندها قالها النبي صلى الله عليه وسلم جملة: اللهم ارزق ثعلبة مالا، ولأنّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا ترد أبدا فقد كان لثعلبة ما أراد، ويغدو واحدا من أثرياء المدينة المعدودين، وما أن بدأت الأموال تتدفق عليه حتى بات يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ومع الأيام  تقتصر صلاته على الجمعات ليتركها فيما بعد بالكلية،  وعندما يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه ويخبرونه بحاله يقول صلى الله عليه وسلم  يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبةّ ! يا ويح ثعلبة ! وينزل قوله الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: خذ من أموالهم صدقة، ويبعث النبي صلى الله عليه وسلم رجلان  من صحابته اليه  ليجمعا زكاة ماله، ويأبى دفع الزكاة قائلا لهما: انها الجزية.. انها أخت الجزية.. فيعودا من حيث أتيا، وما أن يرهما النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول لهما نفس عبارته صلى الله عليه وسلم: يا ويح ثعلبة! ليعقب قوله صلى الله عليه وسلم ذاك، قرآنا يتلى الى يوم القيامة يعلن الله تعالى من سياق آياته الكريمات من سورة التوبة،  أن غضب الله قد حلّ على ثعلبة الى أن يلقاه منافقا

 ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنّ ولنكوننّ من المحسنين* فلما آتاهم من فضله، بخلوا به، وتولوا وهم معرضون* فأعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون* ألم يعلم أنّ الله يعلم سرّهم ونجواهم وأنّ الله علام الغيوب

وهذا الحكم ليس خاصا بثعلبة فحسب، بل هو يشمل كل من يعاهد الله عهدا ويخلفه، وهذا الى يوم القيامة، وان كان الله تعالى قد منّ على من عاصروا نزول الوحي عليه السلام ونزل فيهم قرآنا ليعودوا الى الايمان بالتوبة من الذنب والمعصية، فأين لنا نحن اليوم من أن نحظى بهذه الفرضة ووحي السماء قد انقطع عنا؟ لذا كان حريّا بنا أن نتدبّر آيات الله تبارك وتعالى ونبحث عن أسباب نزول الآيات الكريمات لنبقى على حذر من غضب الجبار الذي لا يغفل ولا ينام، ومن يدري؟ لعلّ بيننا ألف ثعلبة ونحن لا نشعر به، ولعلّ أن يكون كل منا ثعلبة دون أن نشعر، لأجل هذا يجب علينا بأن نتابع مسيرنا على النحو الذي يرضي الله تعالى عنا، وألا نكون عبّاد الله في المناسبات، فالله تعالى يفرح بتوبة عبده كما يفرح أحدنا بشيء يحبه، فهيّا بنا أخوتي في الله ولنشمّر عن سواعد الجد ونعبد الله حق عبادته، وحسن عبادته كي نلقاه سبحانه وتعالى وهو راض عنا، ولنتحرى الحلال في معيشتنا ما أمكننا، فما من جسد نبت من سحت (حرام) الا والنار أولى به أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

 

ثاني تلك السلبيات التقاعس عن آداء الصلوات في المساجد، فبعد ان كان ما كان من امتلاء المساجد بالمصلين في صلاة التراويح والتي هي في الأساس سنة لا نعاقب على تركها، نرى هذه المساجد وقد قلّ روادها على مدار الصلوت الخمس والتي هي في الأساس فرض، من ترك واحدا منها عوقب عليه، ولو يعلم هؤلاء أن تارك الصلاة يكفر، لما هانت الصلاة على أحدنا وكما قال تبارك وتعالى في سورة مريم: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا * الا من تاب وآمن وعمل صالحا، وقوله تعالى الكريم لا يتنافى أبدا مع قوله عليه الصلاة والسلام:  من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله، وهذا يعني أنه كفر والعياذ بالله ، وهذا ما أكدّه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة، وقوله عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أيّ الأعمال أحبّ الى الله تعالى في الاسلام؟ قال عليه الصلاة والسلام: الصلاة لوقتها، ومن ترك الصلاة فلا دين له، والصلاة عماد الدين.

 

ولكن البشرى بالأمل تبقى دائما تلوح في الأفق لثلة من عباد الله لا يزالون على العهد الذي قطعوه على أنفسهم ، ومن علامات هذه الثلة أنّ عملها  قد كتب له القبول ، والقبول هو أن نرى العبد في حال أحسن من حاله السابق، وأن نرى فيه اقبالا على الطاعة، وكما قال تعالى في سورة ابراهيم:  واذ تأذن ربكم لئن شكرتكم لأزيدنكم، زيادة في الخير الحسي والمعنوي، فيشمل الزيادة في الايمان والعمل الصالح، فلو شكر العبد ربه حق الشكر لرأيته يزيد من الخير والطاعة، وما جزاء العمل الصالح بعد الايمان الا خلود في الجنان لقوله تعالى سورة البقرة: والذين أمنوا وعماوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون.

هكذا يجب أن يكون العبد مع الله دوما ليحقق قول الله تعالى في الايجابية الأولى واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، ذلك أنّ ربّ رمضان هو ربّ كل الشهور والأيام، فربّ العزة تبارك وتعالى لا يحدّه أبدا حد، لا زمان ولا مكان، فهو ربّ الأزمنة كلها وربّ الصور والدهور، وربّ الأماكن كلها سبحانه وتعالى ربنا وربّ كال شيء لا اله الا هو القاهر فوق عباده.

يقول المولى تبارك وتعالى في سورة هود: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك، وفي سورة فصلت: فاستقيموا اليه واستغفروه؟

اذن ! فلئن انتهى صيام رمضان هناك صيام النوافل، كالست أيام من شوال الذين من صامهم كل عام كان كمن صام الدهر كله، لقوله صلى الله عليه وسلم: من صالم رمضان وأتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر كله، كيف يكون ذلك؟ لأن الست من شوال مع رمضان 36 يوما، والحسنة عند الله بعشر لأمثالها، فيعني وكأنه صام 360 يوما،  وهذه عدد أيام السنة الهجرية تقريبا، فلو سرنا عليها كل عام لكانت وكأننا صمنا الدهر كله.

وهناك أيام الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، وهذين اليومين ترفع فيهما أعمال العباد الى الله.

وهناك الثلاث أيام البيض 13، 14، 15، من كل شهر.

 وهناك يوم عاشوراء (العاشر من محرّم) والذي يكفر ذنوب سنة ماضية ما اجتنبت الكبائر، لقوله تبارك وتعالى في سورة النجم: ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى * الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم، انّ ربّك واسع المغفرة.... الى قوله تعالى وهو أعلم بمن اتقى.

وهناك التسع أيام الأوائل من ذي الحجة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ما من أيام العمل الصالح أحبّ الى الله فيهنّ من هذه الأيام يعني عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، الا رجلا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء.

  وهناك يوم عرفة وهو يكفر ذنوب سنتين ما اجتنبت الكبائر، سنة ماضية وسنة قابلة.

وهناك صوم سيدنا داوود عليه السلام وهو خير الصيام ،:كان داوود عليه السلام يصوم يوما ويفطر يوما، يصوم يوما فيجوع فيسأل الله من فضله، ويفطر يوما فيشبع فيشكر الله ويحمده، وما بين الجوع والشبع العبادة المثلى، نسأله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا بتوبة نصوحا صادقة قبل الموت يبلغنا بها جنته، انه على ما يشاء قدير وبالاجابة مولانا تبارك وتعالى جدير ، انه نعم  المولى ونعم النصير.

ولئن انتهى قيام رمضان، فقيام الليل في الثلث الأخير من كل ليلة لا ينتهي حتى قيام الساعة، وكما ورد في الحديث فما بعد صلاة العشاء من صلاة تطوّع  فهو من الليل، ولئن انتهت صدقة الفطر، فهناك الزكاة المفروضة، وهناك أبواب الصدقات التطوعية لا تنتهي .

وعن قراءة القرآن حدّث ولا حرج، فتلاوته وتدبّره لن يقتصرعلى رمضان فحسب، وكما قال عليه الصلاة والسلام: أفضل الأعمال الى الله تعالى أدومها وان قلت.

وان أبيت العمل بالنوافل فلا يجوز لك أبدا ترك الواجبات وتضييعها، كالصلوات الخمس وفي مواقيتها،  وكن دوما مع الجماعة ان أمكن، حتى لا نكون من الذين قال الله تعالى فيهم: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا، ولو علمنا ما هو الغيّ  لأتينا الصلاة ولو حبوا، ولما تلذ ذ أحدنا على الفرش، والغي لمن لا يعلم هو: هو واد عميق قعره،  خبيث طعمه، تستعيذ جهنم نفسها من شدة حرّه.

وختاما أقول: ينبغي علينا جميعا أن نحرص على الطاعات ونتوجها بأعمال الخير والبرّ، وان نكون دائما بمكان بين الخوف والرجاء، نتململ تململ المتلقب على جمرة من نار،  نخاف تقلب القلوب كما كان يخافها  كل من شيخي وكهلي الجنة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ونرجومن  الله عزوجل القبول أسوة بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فيوم عيدنا الحقيقي هو يوم وقوفنا بين يدي ملك الملوك حين يؤمر بنا الى رضوان الله تعالى، فنطلقها صرخة تسمعها كل الخلائق وهي تدوّي صداها في الأفق العلوي: فزنا وربّ الكعبة.

أسأل الله العلي القدير السميع المجيب الحيّ القيوم الحنان المنان ذو الجلال والاكرام أن يمنّ علينا جميعا بتوبة صادقة قبل الموت، وان يتقبل منا جميعا أعمالنا، وان يعيد علينا رمضان أعواما عديدة ونحن في أحسن حال، وأهدأ بال، وقد صلحت أحوالنا، وعزّت أمتنا، وعادت الى خالقها عودة صادقة... وادعوا الله لي بالثبات على الايمان حتى الممات اللهم آمين..آمين..آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لا تنسونا من دعوة بظهر الغيب                                                                                         

 

Google
الدال على الخير كفاعلة انشر الموقع لتعم الفائدة للجميع