موقع سنابل الخير  

مدونة محمد بن حمد الشهري  مساحة اعلانية 
اعلانات الزهور المجانية  مساحة اعلانية 

شريط لحفظ القرآن الكريم

Google

الصفحة الرئيسية

صفحة الصحابة

مدرسة الصحابة رضي الله عنهم

                                                      الجزء الرابع والأخير من حرف السين الى حرف الهاء                                                          

1- سعد بن الربيع رضي الله عنه

      رجل تبؤأ مقعده من الجنة

هو أحد الرجال الذين تبؤوا مقاعد صدق في الجنة انشاء الله، شهد بدرا واستشهد في أحد، وهو حفيد امرؤ القيس، وهو أحد النقباء يوم بيعة العقبة الكبرى.

انه الصحابي الجليل الأنصاري الذي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، وقد عرض يومها على عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما نصف ماله، واحدى زوجتيه،  فيطلقها له ومن ثم يتزوجها.

أي سعد هذا الذي نتحدث عنه؟ ومن أي طراز هو؟ وعندما نعلم أنه تخرج من جامعة المصطفى صلى الله عليه وسلم يبطل عجبنا بهذا الانسان الذي لن يكرره التاريخ أبدا ولا حتى أصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

استشهاده رضي الله عنه

يوم بدر أبلى رضي الله عنه بلاء حسن، ويوم أحد طعن رضي الله عنه سبعين طعنة بين طعنة رمح وسيف، وبعد انتهاء المعركة أعلن النبي صلى الله عليه وسلم لمن حوله: هل من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع! فأجابه رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فخرج يطوف في القتلى حتى وجده جريحا فقال له: يا سعد! انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ أجابه رضي الله عنه: فاني في الأموات، وأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وقل له: انّ سعد يقول لك: جزاك الله عني خير ما جزى به نبيا عن أمته، وأبلغ قومك مني السلام وقل لهم: انّ سعد يقول لكم: انه لا عذر لكم عند الله ان خلص الى نبيكم ومنكم عين تطرف.

 فرضي الله عن سعد بن الربيع وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاه.

 

 2- سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

     أول من رمى بسهم في سبيل الله- مسجاب الدعوة

يجتمع رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم بالنسب في ابن زهرة بن كلاب بن مرة، وبنو زهرة أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه رضي الله عنه: هذا خالي فليرني أمرء خاله.

ويكنى رضي الله عنه بأبي اسحاق.

اسلامه رضي الله عنه

أسلم رضي الله عنه وهو ابن 17 سنة وكان من السابقين الى الاسلام، حتى أنه قال رضي الله عنه: لرأيتني وأنا ثلث الاسلام، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: يدخل علينا رجلا من أهل الجنة وكان الداخل سعد رضي الله عنه.

قرآنا ينزل فيه رضي الله عنه

أمه هي حمنة بنت سفيان وكانت ترغمه على ترك دين الاسلام، وحلفت ان لا تكلمه أبدا ولا تأكل ولا تشرب حتى يكفر بالاسلام، وامتنعت عن الطعام والشراب حتى اذا ظهر عليها الجهد قال لها سعد: يا أمة! تعلمين والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني، ان شئت فكلي أو لا تأكلي، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: ووصينا الانسان بوالديه حسن، وان جاهداك على أن لا تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا

أول من رمى بسهم في سبيل الله

كان رضي الله عنه أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان ذلك في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب، وكانت أول حرب وقعت بين المشركين والمسلمين، وهي أول سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة، بعث ناسا من المسلمين الى رابغ ليلقوا عيرا لقريش فتراموا بالسهام، ولم يكن بينهم مسايفة ، وكان سعد رضي الله عنه أول من رمى وأنشد يقول:

ألا هل أتى رسول الله أني                                                حميت صحابتي بصدور نبلي

فما   يعتد   رام   في عدو                                               بسهم   يا  رسول  الله   قبلي

مستجاب الدعوة رضي الله عنه

كان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا له فقال: اللهم استجب لسعد اذا دعاك.

مناقبه رضي الله عنه

 فتح العراق وكان على رأس الجيوش يوم القادسية ونصر الله دينه ونزل سعد رضي الله عنه المدائن، ثم كان أميرا على جلولا فكان النصر على يديه، واستأصل الله تعالى الأكاسرة.

موقفه من الفتنة

كان رضي الله عنه قد اعتزل الفتنة التي وقعت بين معاوية وعلي رضي الله عنهم، فلا حضر الجمل ولا صفين ولا التحكيم، وكان ابنه عمر وهو في ابله فقال له: أنزلت في ابلك وغنمك وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب رضي الله عنه في صدره وقال: اسكت! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان الله يحب العبد التقي الغني الخفي.

وفاته رضي الله عنه

توفي رضي الله عنه سنة 50 للهجرة وهو ابن 82 سنة.

فرضي الله تعالى عن سعد وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

3-  سلمان الفارسي رضي الله عنه

      صاحب فكرة حفر الخندق حول المدينة المنورة

هذا الصحابي الجليل من بلاد فارس، وهو صاحب فكرة حفر الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة المنورة لمنع المشركين ( قبيلة قريش، قبيلة بنو قريظة، وقبيلة غطفان) من اقتحام المدينة المنورة، لأجل ذلك أطلق عليهم الأحزاب وأنزل الله تعالى سورة كاملة تحكي عن غزوة الخندق أطلق عليها اسم سورة الأحزاب.

هذا التحالف من المشركين احتشد ليهاجم المسلمين في المدينة، وفوجىء النبي صلى الله عليه وسلم بجيش عرمرم لجب يقترب من المدينة في عدة وعتاد مدمدم، وقد صوّر الله عزوجل لنا صعوبة الموقف الذي يقفه المسلمون بقوله تبارك وتعالى: اذ جاءكم من فوقكم ومن أسفل منكم، واذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وتظنون بالله الظنونا

24 ألف مقاتل من قوى الكفر والطغيان تحت قيادة أبو سفيان يقتربون من المدينة ليطوقوها وليبطشوا بطشتهم الحاسمة كي ينتهوا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ولو أنّ هذا الجيش لقريش وحدها لهان الأمر على المسلمين ولواجهوا الموقف بقوة وحزم كما سبق وأن واجهوا أشرس منه في معركتي بدر وأحد، ولكن تحالف قريش مع قلبيلتين اخريان ولهما ثقلهما فهنا تكمن صعوبة الموقف، انها محاولة أخيرة وحاسمة تقوم بها جميع أعداء الاسلام أفرادا وجماعات وقبائل ومصالح، ورأى المسلمون انفسهم في موقف عصيب، وجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليشاورهم في الأمر، وجميعهم رضي الله عنهم أجمعوا على الدفاع والقتال، ولكن كيف الدفاع أمام هذه الأحزاب كلها؟

هناك تقدّم رجلا طويل الساقين، غزير الشعر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل له حبا عظيما واحتراما كبير، انه سلمان الفارسي رضي الله عنه، صعد هضبة عالية وألقى نظرة سريعة فاحصة على أطراف المدينة فوجدها محصنة بالجبال والصخور المحيطة بها الا فجوة واسعة يستطيع الجيش أن يقتحم منها المدينة بيسر وسهولة، وكان سلمان رضي الله عنه قد اكتسب الخبرة الكبيرة في وسائل الحروب وخدع القتال من بلاد فارس، فتقدّم من النبي صلى الله عليه وسلم بمشورته التي لم تعهدها العرب من قبل في حروبها كله، وكانت تلك المشورة الصائبة بحفر خندق يغطي المنطقة المكشوفة حول المدينة المنورة.

حفر الخندق

وبدأ المسلمون في حفر الخندق، وعندما اعترضتهم صخرة عاتية قاسية لم تتكسر استعانوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم ببيديه الشريفتين المعول بعد أن طلب من صحابته الابتعاد قليلا عن مرمى الشظاي، ثم سمى بالله ورفع كلتا يديه الشريفتين وهوى بهما عليها ليفلقها فلقتين يخرج من ثنايا صدعها وهجا عاليا مضيئا يضيء ما بين جوانب المدينة، وهتف النبي صلى الله عليه وسلم مكبرا: الله أكبر، أعطيت مفاتيح كسرى، وانّ أمتي ظاهرة عليه، ثم رفع صلى الله عليه وسلم المعول ثانية وهوى بضربته الثانية فتكررت الظاهرة وبرقت الصخرة المتصدّعة بوهج مضيء مرتفع وهتف مكبرا: الله أكبر، اعطيت مفاتيح الروم ولقد أضاء لي منها قصورها الحمراء وانّ امتي ظاهرة عليه، ثم ضرب صلى الله عليه وسلم ضربته الثالثة فألقت الصخرة سلاحها واستسلامها وأضاء برقها الشديد الباهر وهلل صلى الله عليه وسلم وهلل المسلمون معه وأنبأهم أنه يبصر الآن قصور سورية وصنعاء، وسواها من مدائن الأرض التي ستخفق فوقها راية لا اله الا الله يوم، وصاح المسلمون في ايمان عظيم: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله.

ويحفر الخندق، وتظل قوات العدو شهرا وهي جاثمة في خيامها عاجزة عن اقتحام المدينة، حتى أرسل الله عزوجل على الأحزاب الثلاثة المغيرة ريحا صرصرا عاتية اقتلعت خيامهم وبددت شمسهم، وعند هذا المدد الالهي العظيم نادى أبو سفيان في جنوده آمرهم بالرحيل فورا.

لقد عاش رضي الله عنه حتى رأى البشرى المحمدية حقيقة يعيشه وواقعا يحياه، فرأى مدائن الفرس والروم، ورأى قصور صنعاء وسوريا ومصر والعراق.

رأى جنبات الأرض كلها تهتز بالدوي المبارك الذي ينطلق من ربا المآذن العالية في كل مكان أنوار الهدى والخير.

وها هو رضي الله عنه يجاس تحت ظل الشجرة الوارفة الملتفة أمام داره بالمدائن يحدّث جلساؤه عن مغامراته العظمى في سبيل الحقيقة، ويقص عليهم كيف غادر دين قومه الفرس الى المسيحية ومن ثمّ الى الاسلام، وكيف غادر ثراء أبيه الباذخ ورمى نفسه في أحضان الفاقة بحثا عن خلاص عقله وروحه، وكيف التقى النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف آمن به.

تعالوا نقترب من مجلسه رضي الله عنه لنقف منه عن قصة حياته فيقول:

كنت رجلا من أصفهان من قرية يقال لها جي، وكنت من أحب العباد الى أبي، وقد اجتهدت في المجوسية نعبد النار، وكان لأبي ضيعة فأرسلني اليها يوما وهناك مررت بكنيسة فسمعتهم يصلون، فدخلت أنظراليهم ما يصنعون فأعجبني ما رأيت من صلاتهم وقلت: هذا خير من دينن، وسألت النصارى عن أمرهم وصلاتهم وأصل دينهم، فقالوا لي: في الشام، وعندما علم أبي بنيتي جعل في رجلي حديدا وحبسني، حطمت الحديد وخرجت الى الشام ومنها الى الموصل، والتقيت هناك برجل أخبرني أن هناك نبي سيبعث بدين ابراهيم عليه السلام حنيفا يهاجر الى أرض ذات نخل بين جرتين، فان استطعت أن تخلص اليه فافعل، ومرّ بي ركب فسألتهم عن بلادهم فقالوا من جزيرة العرب، فحملوني الى أرضهم وهناك ظلموني وباعوني الى رجل من يهود، وبصرت بنخل كثير فطمعت أن تكون هذه البلدة التي وصفت لي والتي ستكون مهجر النبي المنتظر ولكنها لم تكن، ثم ابتاعني منه رجل من يهود بني قريظة وخرج بي الى المدينة، فو الله ما أن رأيتها حتى أيقنت أنها البلد التي وصفت لي، وبقيت أعمل له في نخلة في بني قريظة، وذات يوم وأنا جالس على رأس نخلة وصاحب لي تحت نخلة واذ قدم رجل من يهود بني قريظة من بني عمه فقال يخاطبه: قاتل الله نبي قيلة، انهم ليتقاصفون على رجل بقباء قادم من مكة يزعم أنه نبي، فو الله ما أن قالها حتى أخذتني العرواء، فرجفت النخلة بي حتى كدت أن أسقط فوق صاحبي، ثم نزلت سريعا اقول ماذا يقول؟ ما الخبر؟ فرفع سيدي يده ولكزني لكزة قوية ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبل على عملك؟ فاقبلت على عملي، ولما أمسيت جمعت ماكان عندي ثم خرجت وجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء، فدخلت عليه وقلت له: انكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة، فلما ذكر لي مكانكم رأيت انكم أحق الناس به فجئتكم به، ثم وضعته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلوا باسم الله، وامسك هو ولم يبسط اليه يدا فقلت في نفسي، هذه  والله واحدة لا يأكل من  الصدقة.

ثم رجعت وعدت اليه في الغداة أحمل طعاما وقدمته له كهدية فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:  كلوا باسم الله وأكل معهم، فقلت في نفسي: هذه والله الثانية انه يأكل من الهدية.

ثم رجعت فمكثت ما شاء الله حتى رايت بين كتفيه خاتم النبوة كما وصفه لي صاحبي، ثم أسلمت، وحال الرق بيني وبين شهود بدر وأحد، وذات يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم كاتب سيدك حتى يعتقك، واتمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه كي يعينوني، وحرر الله رقبتي وعشت حرا مسلم، وشهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق والمشاهد التي تلتها.

أي تفوق عظيم أحرزته روح سلمان الطيبة رضي الله عنه؟ وأي المصاعب التي تغلب عليها حتى أوصلته الى مبتغاه؟ ماذا يتوقع أن يكون اسلام رجل كهذا ترك الثراء والجاه والعز والرفاهية وملاعق الذهب وتاه في متاهات الحياة يقطع الفيافي والبلدان والقرى والمدن باحثا عن المجهول، واذ يرى هذا المجهول حقيقة ويصل اليها.

سلمان منا آل البيت

أقام سلمان أياما مع أبو الدرداء رضي الله عنهما يصوم النهار ويقوم الليل، فأ خذ عنه هذه الفضيلة الفضلى، وكان علي كرم الله وجهه يلقبه بلقمان الحكيم لفصاحة لسانه وفلسفته وحكمته، وقد سئل عنه رضي الله عنهما بعد موته فقال: ذاك امرؤ منا والينا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم.

ان سلمان رضي الله عنه قد أوتي العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر، وكان بحرا لا ينزف من العلم والحكمة والمعرفة.

ويوم الخندق وقف الأنصار رضي الله عنهم يقولون: سلمان من، ووقف المهاجرون رضي الله عنهم يقولون: سلمان من، وناداهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: سلمان منا آل البيت.

زهده رضي الله عنه

لقد كان رضي الله عنه يضفر الخوص ويجدله ويضع منه أوعية ومكاييل ويبيعها ليسد بها جوع بطنه، رغم الأموال والثروات والمناصب التي كانت من حوله تتدفق، انظروا اليه بثوبه القصير الذي انحسر من قصره الشديد الى ركبتيه، وكان دائما يقول: أشتري خوصا بدرهم فأعمله ثم أبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهما منه، وانفق درهما على عيالي، وأتصدق بالثالث، ولو أن عمر نهاني عن ذلك ما انتهيت.

انّ بعض الناس يظن أنّ تقشف وزهد الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين كان نابعا من قلة ذات اليد، فها نحن أمام رجل من فارس بلاد الترف والجاه والبذخ والمدنية، رفض كل ذلك العز والأبهة والثروة والنعيم وأصرّ أن يكتفي بدرهم واحد يصرفه على نفسه وعياله ومن عمل يده، وكان يكره الامارة وكان دائما ينصح أصحابه ويقول: ان استطعت أن تأكل التراب ولا تكون أميرا على اثنين فافعل.

ما بالك يا سلمان تهاب من الأمارة وكثير منا يلهث اليها لهاثا؟ ما بالك تهرب من المنصب ونحن نتخاصم مع أخواننا لأجله؟ ما بالك تزهد كل هذا الزهد وأموال بيت المال بين يديك؟ ألست أنت ابن النعمة والحضارة والمدنية؟ ألست أنت ابن الثراء  والترف والبذخ؟

هيا بنا نستمع الى اجاباته على تساؤلاتنا تلك ، انه رضي الله عنه  على فراش الموت، وروحه الطاهرة تتهيأ للقاء مولاها راضية مرضية ، علّ هذا المشهد يحرك فينا نبض كرامة وبقية باقية من سؤدد لا زال فينا:

دخل عليه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما يعوده، وما أن رآه سلمان رضي الله عنه حتى فاضت عيناه، فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله والنبي صلى الله عليه وسلم مات وهو عنك راض، فقال: والله ما أبكي فزعا من الموت ولا حرصا على الدني، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد الينا عهدا فقال: ليكن حظ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب، وها أنذا حولي هذه الأساود ( الأشياء الكثيرة) فنظر سعد حواليه فلم يجد سوى جفنة ( صحن يأكل فيه) ومطهرة (اناء يتوضا ويشرب منه) ومع هذا يحسب نفسه مترفا.

ألم اقل لكم أن سلمان أشبه الناس بعمر الفاروق رضي الله عنهما؟

ماذا نقول نحن وحولنا كل شيء، كل شيء، كل شيء؟ ومع ذلك لا نشبع ولا نقنع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول نحوا من هذا: من أمن في سربه (بيت يسكنه) وملك قوت يومه ، وعوفي في جسده بدنه فقد حيزت له الدنيا (أي أقبلت اليه الدنيا مرغمة وتذللت له)

ولا يحضرني المقام هنا لأعلق على الحديث الشريف بمسلمي هذه الأيام فاللبيب من الاشارة يفهم، وكلنا نستوعب معنى الحديث بأننا جميعنا أغنياء والحمد لله.

 هذا هو الذي ملأ نفسه عني وملأها عزفا عن الدنيا بأموالها ومناصبها وجاهه، عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه والى أصحابه جميعا ألا يدعوا الدنيا تتملكهم، وألا يأخذ احدهم منها الا مثل زاد الراكب ، وأخذوالوصية الغالية واجعلوها في حياة منهجا ونبراسا فعليا.

ورغم أنّ سلمان رضي الله عنه قد حفظ العهد الا أنّ دموعه قد هطلت حين رأى روحه تتهيأ للرحيل مخافة أن يكون قد جاوز المدى.

قولوا لي بربكم، كيف لا يرضى الله عن رجال بهذه المواصفات، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر واقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار.

ولأنهم بهذه المواصفات الجليلة التي أقرها القرآن الكريم فقد أكرمهم الله تعالى بحسن الخاتمة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله، والله عنده حسن الثواب.

وفاته رضي الله عنه 

لم يكن هناك من طيبات الدنيا شيء يركن اليه سلمان رضي الله عنه لحظة أو تتعلق به نفسه الا شيئا واحدا كان يحرص عليه أبغ الحرص،  وقد ائتمن عليه زوجته وطلب منها أن تخفيه في مكان لعيد وأمين، وفي صبيحة اليوم الذي توفي فيه من العام 20 هجرية ناداها وقال: هلمي بالأمانة، فجاءت به، واذ هي صرة مسك كان قد اصابها يوم فتح جلول، فاحتفظ بها لتكون عطره يوم مماته، ثم قال لزوجته: انضحيه حولي فانه يحضرني الآن خلق من خلق الله عزوجل لا يأكلون الطعام، وانما يحبون الطيب، فلما فعلت قال لها: اجفني عليّ الباب وانزلي، وبعد حين صعدت روحه المباركة الى بارئها ومولاه، وقد لحقت بالملأ الأعلى ، صعدت على أجنحة الشوق، اذ كان رضي الله عنه على موعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر ومع ثلة مجيدة من الشهداء والأبرار رضي الله عنهم أجمعين.

فرضي الله عن سلمان وصحبه وصلى الله وسلم على من رباهم.

4-  سواد بن عمرو رضي الله عنه

      من أصرّ على  القصاص من النبي صلى الله عليه وسلم

 مثل آخر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، يريد القصاص من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن قصاص الصحابة ليس كقصاصن، بل كان قصاصهم رضي الله عنهم كان قصاص الحب والوفاء والتبرك بجسد النبي الشريف صلى الله عليه وسلم.

هو رجل من الأنصار، يتطيّب بالخلوق، وهو طيب مركب من الزعفران كله عرجون (غصن) وكان النبي صلى الله عليه وسلم اذا رآه تفضّى له، فجاء سواد رضي الله عنه وهو متطيّب فأهوى النبي صلى الله عليه وسلم بعود كان بيده فجرحه، فقال له: القصاص يا رسول الله، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم العود ليقتصّ منه، فنهره الناس، الا أنه لم يأبه لهم، بل رمى العود وأخذ يقبّل جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: يا نبي الله أدعها تشفع لي بها يوم القيامة.

فرضي الله عن سواد وصلى الله وسلم على من رباه.

5- سهيل بن عمرو رضي الله عنه

من وقع صلح الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

عندما وقع سهيل بن عمرو رضي الله عنه أسيرا في غزوة بدر، اقترب عمر رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل حتى لا يقوم عليك خطيبا بعد اليوم.

فأجابه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: كلا يا عمر! لا أمثل بأحد فيمثل الله بي وان كنت نبي، ثم أدنى النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه منه وقال له: يا عمر! لعلّ سهيلا غدا يقف موقفا يسرّك، ودارت  نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم دورتها حتى تحوّل أعظم خطباء قريش الى خطيب ماهر من خطباء الاسلام، وتحوّل المشرك العدو اللدود لرسول الله صلى الله عليه وسلم الى مؤمن أوّاب لا تكف عيناه عن البكاء من خشية الله تبارك وتعالى.

وتحوّل رضي الله عنه من زعيم من زعماء قريش وقادة من قادة جيوش الشرك الى جندي صلب من جنود الاسلام البواسل يدافع عن الاسلام دفاع المستميت، مجاهدا في سبيل الله، معاهدا نفسه أن يبقى في رباط وجهاد حتى يدركه الموت، عسى الله أن يغفر له ما تقدّم من ذنبه.

انّ سهيل المؤمن التقي الشهيد هو نفسه المشرك العنيد الذي وقّع عقد صلح الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة 6 للهجرة، وحين قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي كرّم الله وجهه اكتب: من محمد رسول الله أجاب رضي الله عنه يومها: لا.. بل من محمد بن عبد الله.

اسلامه رضي الله عنه

ومضت الأيام تنادي بعضها بعضا حتى جاءت السنة ال 8 للهجرة، وبعد أن نقضت قريش عهدها وميثاقه، خرج النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون لفتح مكة، وتمّ لهم ذلك وفتحت مكة جميع أبوابه، ووقف المشركون في ذهول، ترى ماذا سيكون مصيرهم اليوم وهم الذين قتلوا وحرقوا وعذبوا وجوّعوا المسلين من قبل! لم يشأ الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم أن يتركهم طويلا تحت وطأة هذه المشاعر، فقال لهم ونبرة صوته تقطر حنانا ورفقا: يا معشر قريش! ما تظنون بأني فاعل بكم؟ فتقدّم سهيل بن عمرو وقال: نظنّ خير، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بعدما تألقت ابتسامته من نور على شفتيه الطاهرتين النديتين بذكر الله: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

لم تكن هذه الجملة من النبي صلى الله عليه وسلم وهوالمنتصر لتترك انسانا ذو مشاعر الا أن تجعله يخجل من نفسه ويندم على ما فرّط في جنب الله تبارك وتعالى وفي حق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وحق المؤمنين، تأبى والا أن تجعله يواكب الاسلام ويكون جنديا من جنوده، وفي هذه اللحظة استجاش هذا الموقف الممتلىء نبلا وعظمة كل مشاعر سهيل بن عمرو فأسلم لله رب العالمين، وأسلم معه أناسي كثير، وقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم يومها على الذين أسلموا يوم الفتح بالطلقاء، أي الذين شملهم عفو النبي صلى الله عليه وسلم.

ثباته على الحق رضي الله عنه

وبعد أن انتقل النبي صلى الله علي وسلم للرفيق الأعلى، وقف سهيل رضي الله عنه موقفا شجاعا وقال: انّ النبي صلى الله عليه وسلم كان رسول الله حق، وانه لم يمت حتى أدّى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونحن واجبنا أن نسير على نهجه، عندها تذكر عمر رضي الله عنه نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم حين قال له صلى الله عليه وسلم: دعها فلعلها تسرّك يوم، وضحك رضي الله عنه طويل، اذ جاء اليوم الذي انتفع فيه الاسلام بثنيتي سهل اللتين كان عمر يريد تهشيمها واقتلاعها.

وبعد أن ذاق حلاوة الايمان أخذ على نفسه عهدا لخصّه رضي الله عنه بقوله:

والله لا أدع موقفا من المشركين الا ووقفت مع المسلمين مثله،  ولا نفقة أنفقتها مع المشركين الا أنفقت مع المسلمين مثله، لعلّ أمري أن يتلو بعضه بعضا.

وفاته رضي الله عنه

وفي معركة اليرموك، كان سهيل رضي الله عنه يكاد يطير من الفرح اذ وجد الفرصة الدسمة لكي يبذل نفسه في سبيل الله في هذا اليوم العصيب ما يمحو به خطايا جاهليته وشركه، وبعد انتصار المسلمين أبى أن يعود الى مكة وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مقام أحدكم في سبيل الله ساعة، خير له من عمله طول عمره، واني لمرابط في سبيل الله حتى أموت، ولن أرجع الى مكة.

ويوفي سهيل رضي الله عنه الوعد والعهد، ويظلّ بقية حياته مرابطا في سبيل الله حتى اذا جاء موعد رحيله طارت روحه مسرعة الى رحمة من الله ورضوان مع ابنه أبو جندل الذي سنتناول بعضا من حياته رضي الله عنهما.

كان أبو جندل رضي الله عنه قد وقع أسيرا في قبضة المشركين، وعندما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى مكة ومنعه المشركون من دخوله، تمكن من الفرار من قبضة المشركين، فجاء الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي مشي المقيّد في قيوده، فرمى نفسه بين أظهر المسلمين في نفس اللحظة التي يوقع فيها والده سهيل عقد صلح الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال والده: يا محمد (صلى الله عليك وسلم) ! هذا أول من أقاضيك عليه أن تردّه اليّ، فقال صلى الله عليه وسلم: أنا لم نقصّ الكتاب بعد! فقال سهيل: فوالله  لا أصالحك على شيء، عندها قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأجزه لي، أجابه سهيل: ما أنا بمجيزه لك.

فقال أبو جندل رضي الله عنه: يا معشر المسلمين! أأردّ الى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت من عذاب شديد على أيديهم؟

وامتنع سهيل في أن يوقع الصلح حتى أعاد معه ابنه الى سجنه، فدار بين النبي صلى الله عليه وسلم وعمر رضي الله عنه الحوار التالي بعد موافقة النبي صلى الله عليه وسلم على طلب سهيل باعادة ابنه أبو جندل الى الأسر:

ألست نبيّ الله حقا؟

بلى!

ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟

بلى!

فلم نعطي الدنيّة في ديننا الآن؟

اني رسول الله ولست أعطيه وهو نا صري.

أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟

بلى! فأخبرتك أنا أتيه العام القادم، فانك آتيه ومطوّف به.

ثم قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم أجمعين: قوموا فانحروا ثم احلقوا.

وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاءه نسوة من المؤمنات، فانزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنّ الى قوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر، عندها طلق عمر رضي الله عنه امرأتين مشركتين،  تزوّج احداهن معاوية بن أبي سفيان، والأخرى تزوجها صفوان بن أمية اللذين كانا لا يزالان على شركهم، ذلك أنهما لم  يسلما الا بعد فتح مكة.

فرضي الله عن سهيل وصلى الله وسلم وبارك على الهادي بشير والسراج المنير.

 

6- سلمة بن الأكوع رضي الله عنه

          ما كذب أبي  قط

ماكذب أبي قط، جملة قالها اياس بن سلمة بن الأكوع رضي الله عنهما ليلخص حياة أبيه كله،  والصدق صفة الأوابين الصديقين،  وحسب سلمة رضي الله عنه  ان يحرز هذه الفضيلة ليأخذ مكانه بين الأبرار الصالحين.

هو سلمة بن الأكوع رضي الله عنه من أصحاب بيعة الرضوان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، ومن رماة العرب المعدودين.

بايع بيعة الشجرة مرتين

حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم عام ست للهجرة قاصدين بيت الله الحرام، وتصدت لهم قريش لتمنعهم من دخول مكة، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه ليخبرهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم جاء زائرا وليس مقاتل، والنبي صلى الله عليه وسلم في انتظار عودة عثمان رضي الله عنه سرت شائعة أنّ قريش قتلته، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في ظل الشجرة يتلقى بيعة أصحابه، ولنترك الحديث لسلمة بن الأكوع يحدثنا عن هذا الحدث العظيم:

بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت تحت الشجرة، ثم تنحيت، فلما خفّ الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا سلمة مالك لا تبايع؟ فقلت: قد بايعت يا رسول الله! قال عليه الصلاة والسلام: وأيض، فبايعته، ثم قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع زيد بن حارثة تسع غزوات.

خير الرجال رضي الله عنه

كان رضي الله عنه من أمهر الذين يقاتلون مشاة ويرمون بالنبال والرماح، وكانت طريقته اذا هاجمه عدوه تقهقر دونه، فاذا أدبر العدو أو وقف يستريح هاجمه في غير هواده، وبهذه الطريقة استطاع أن يطارد وحده القوة التي أغارت على مشارف المدينة بقيادة عيينة بن حسن القزاري في غزوة ذي قرد، فخرج في أثرهم وحده وظلّ يقاتلهم ويراوغهم ويبعدهم عن المدينة حتى أدركه النبي صلى الله عليه وسلم في قوة وافرة من أصحابه، وفي هذا اليوم قال النبي صلى الله عليه وسلم: خير رجالنا سلمة بن الأكوع.

جزعه على أخيه عامر رضي الله عنهما

لم يعرف سلمة رضي الله عنه الجزع والأسى الا عند مصرع أخيه عامر رضي الله عنهما في غزوة خيبر، وكان عامر يرتجز أمام جيش المسلمين هاتفا: اللهم لولا أنت ما اهتدين، ولا تصدقن، ولا صلين، فأنزلن سكينة علينا وثبّت أقدامنا ان لاقينا.

في تلك المعركة ذهب عامر رضي الله عنه يضرب أحد المشركين بسيفه، فانثنى السيف في يده رضي الله عنه فارتد عليه فقتله، فقال بعض المسلمين: مسكين عامر حرم الشهادة، أي حرم أجر الجهاد وثواب الشهادة على اعتبار أنه قتل نفسه خط، الا أنّ النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم وضع النقاط على الحروف في شأنه رضي الله عنه وقال: انه قتل مجاهد، وانه له لأجرين، وانه الآن ليسبح في أنهار الجنة. 

نقطة ضعفه في عمل الخير

كان سلمة رضي الله عنه جوادا كريم، وكان أكثر ما يكون جوادا اذا سئل بوجه الله عزوجل، ولو أنّ انسانا سأله بوجه الله أن يمنحه حياته ما توانى ولا تردد في ذلك، ولذا كانت الناس تستغل فيه نقطة الضعف هذه وينالون منه  ما يريدون بذلك.

وفاته رضي الله عنه

وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه أدرك أبواب الفتنة التي فتحت على المسلمين، فابتعد عنها خشية قتل مسلم على يديه، فحمل متاعه وغادر المدينة الى الربدة، وهو نفس المكان الذي اختاره أبو ذر الغفاري رضي الله عنه من قبله مهاجرا اليه، وهناك أفنى بقية عمره المبارك حتى اذا كان يوما من العام ال 74 للهجرة، أراد أن يزور مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم ليوافيه الله أجله وهو يتسوق من أسواقه، وهكذا ناداه ثراها الحبيب الرطيب ليضمه تحت جوانحه ويؤديه مع من أوى قبله من الرفاق المباركين والشهداء الصالحين.

 فرضي الله عن سلمة وأخوه وصلى الله وسلم وبارك على من رباهما.

 

7- صدي بن عجلان  (أبو أمامة) رضي الله عنه

     سقاه الله عزوجل سقيا ما ظمأ بعدها أبدا

شأنه كشأن الصحابة الذين سبقوه للاسلام، فعندما علم قومه باسلامه أبوا عليه دعوته وعذبوه وحبسوه، حتى أنه عندما طلب منهم شربة ماء منعوا عنه الماء وقالوا له: بل ندعك حتى تموت، فأسقاه الله تعالى سقيا لم يظمأ بعدها أبدا.

ولنترك أبو امامة رضي الله عنه بنفسه يروي لنا الرواية، يقول:  بعثني النبي صلى الله عليه وسلم الى قومي أدعوهم الى الله عزوجل وأعرض عليهم شرائع الاسلام، فأتيتهم وقد سقوا ابلهم وحلبوها وشربوا حليبه، فلما رأوني قالوا: مرحبا بالصدي بن عجلان، بلغنا أنك صبوت الى هذا الرجل!

 قلت: بل آمنت باله وبرسوله، وقد بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم اليكم أعرض عليكم الاسلام وأعلمكم شرائعه، فجاؤوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونه، وقالوا: هلمّ يا صدي فكل معنا! قلت: ويحكم! انما أتيتكم من عند قوم يحرم هذا عليكم الا ما ذكيتم، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم قوله تعالى: حرّمت عليكم الميتة والدم ، الآية التي نزلت في حجة الوداع، يوم الجمعة عشية عرفة، فجعلت أدعوهم الى الاسلام ويابون، فقلت لهم: ويحكم! ائتوني بشربة ماء فاني شديد العطش؟ قالوا: ولكن ندعك تموت عطش، عندها اعتممت عمامتي ونمت في الرمضاء في يوم حار شديد حره، فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم يرى الناس احسن منه، وفيه  شراب لم يرى الناس آلف منه، فامكنني منه فشربته، ولما فرغت من شرابه استيقظت، فو الله ما عطشت، ولا عرفت العطش بعد تلك الشربة.

فرضي الله عن صدي وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.  

8- صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه

   ربح البيع يا أبا يحيي ربح البيع

ولد رضي الله عنه في أحضان النعيم وكان من الذين ولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب، فقد كان أبوه ككسرى حاكما وواليا للأبنة (منطقة في العراق) وكان من العرب الذين نزحوا الى العراق قبل الاسلام بعهد طويل، وفي قصره القائم على شاطىء الفرات عاش الطفل صهيب ناعما متنعما.

ذات يوم تعرضت البلاد لهجوم الروم وقد أسر المغيرون اعدادا كبيرة وصهيب كان واحدا منهم، وقضى طفولته وشبابه في بلاد الروم مما مكنه من اتقان لسانهم ولهجتهم، بعد ذلك  اقتنصه تجار الرقيق وبدأ يتنقل من يد الى يد أخرى حتى انتهى به المطاف في مكة، وبيع لعبد الله بن جدعان، يعجب سيده سيده بذكاءه الشديد، ونشاطه واخلاصه، فيحرره ويهىء له فرصة الاتجار معه.

أسلم صهيب وعمار بن ياسر رضي الله عنهما في يوم واحد ، وفي ساعة واحدة دخلا معا بيت الأرقم وبايعا النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد أن التمس كل منهما طريق الهدى والفلاح خرجا معا متخفيّان مع سواد الليل عائدين الى دورهم.

ان عبور الباب الخشبي الذي يفصل بين بيت الأرقم عن خارجها لم يكن يعني مجرد تخطي عتبة فحسب، بل كان يعني تخطي حدود عالم بأسره، يعني تخطي مرحلة من الموت الى الحياة، من العدم الى الوجود، وبالنسبة للغرباء والرقيق أمثال صهيب كان اقتحام العتبة بالنسبة له يعني تضحية تفوق كل مألوف من طاقات البشر.

 انه نداء الرحمة الالهية التي يصيب الله عزوجل بها من يشاء من عباده، انه نداء الايمان الذي لا يقاوم، انه نور على نور يهدي  الله بنوره من يشاء.

هكذا أخذ صهيب مكانه في قائمة المؤمنين الذين صدقوا فيما عاهدوا الله عليه، وأخذ مكانا فسيحا وعاليا بين صفوف الضطهدين والمعذبين.

يقول رضي الله عنه: لم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدا قط الا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط الا كنت حاضره، ولا سرى بسريّة قط الا كنت حاضره، ولا غزا غزوة قط أول الزمان وآخره الا كنت فيه، وما خاف المسلمون قط الا كنت أمامهم ووراءهم، وما جعلت رسول الله بيني وبين العدو حتى لقي ربه.

هجرته رضي الله عنه

هذا هو صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، صورة باهرة للانسان المسلم والمؤمن الفذ، والولاء المطلق لله ورسوله، ولقد تجلى هذا الولاء يوم هجرته رضي الله عنه، ففي ذلك اليوم تخلى عن كل ثروته وجميع مجوهراته التي أدخرها من تجارته الرابحة خلال سنوات طويلة قضاها في مكة مع سيده عبد الله بن جدعان في سبيل أن ينجو بنفسه ويلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الى المدينة، وذلك حين همّ النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة علم صهيب بها وكان المفروض أن يكون ثالث ثلاثة هو والرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنهم، الا أنّ قريش بيتت أمرها لمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الهجرة، وقع صهيب في فخا خهم، بينما النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه كانا قد اتخذا سبيلهما على بركة الله تعالى، وحاور صهيب رضي الله عنه وراوغ القرشيين حتى استطاع الهرب منهم، وما أن علمت قريش بفراره وقد امتطى جواده منطلقا في الصحراء وثبا حتى كانت قد أرسلت على أثره قناصته، وما أن أدركوه حتى صاح فيهم صهيبا رضي الله عنه أنكم تعلمون أني أرماكم رجل، ثم قال: وأيم الله لا تصلون اليّ حتى أرمي كل سهم معي في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي حتى لا يبقى في يدي منه شيء فأقدموا ان شئتم، وان شئتم دللتكم على مالي وتركتموني وشأني، فقبلوا ماله قائلين له: أتيتنا صعلوكا فقيرا فكثر مالك عندن، وبلغت بيننا ما بلغت، والآن تنطلق بمالك ونفسك؟ فدّلهم على المكان الذي خبأ فيه ثروته وتركوه وشأنه وقفلوا راجعين الى مكة، ولأنهم يعلمون مدى صدقه وأمانته فلم يسالوه عن بيّنه، وموقف كهذا له لا عليه، واستأنف صهيب رضي الله عنه هجرته وحيدا شريدا سعيدا حتى اذا وصل المدينة وقباء تحديد، وما أن رآه النبي صلى الله عليه وسلم في قباء حتى قال له: ربح البيع أبا يحيي ربح البيع، وما أن سمع صهيب كلمات النبي صلى الله عليه وسلم حتى اطمأنت روحه الطيبّة ، ،انزل الله تعالى فيه قرآنا بشأنه يتلى الى يوم القيامة يصوّر بطولة وتضحية صهيب رضي الله عنه عندما باع دنياه بآخرته: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد

أجل لقد اشترى صهيب رضي الله عنه نفسه المؤمنة ابتغاء مرضات الله بكل ثروته التي أنفق شبابه كله في جمعها ولم يشعر أبدا بأنه مغبون .

الى كم صهيب نحتاج أيها الأخوة؟ فلو كان بيننا واحدا فقط مثل صهيب ما كان هذا حالنا.

مرحه رضي الله عنه

ان صهيب رضي الله عنه كان الى جانب ورعه وتقواه خفيف الروح حاضر النكتة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديد، وذات يوم رآه النبي صلى الله عليه وسلم يأكل رطبا وفي احدى عينيه رمد، فقال له صلى الله عليه وسلم ضاحكا: أتأكل الرطب وفي عينيك رمدا؟ أجابه رضي الله عنه: وأي بأس! اني آكل بعيني الأخرى.

سخاؤه رض الله عنه

كان رضي الله عنه جوادا سخيا معطاء، ينفق كل عطاءه من بيت المال في سبيل الله، يعين محتاج، ويغيث مكروب، ويطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسير، ولشدة اسرافه فقد لفت انتباه عمر رضي الله عنه وقال له: أراك تطعم كثيرا حتى أنك لتسرف، فأجابه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خياركم من أطعم الطعام.

لقد كانت حياته رضي الله عنه مترعة بالمزايا والعظائم، وما اختيار عمر رضي الله عنه له ليؤم المسلمين في الصلاة في اليوم الذي طعن عمر رضي الله عنه الا مزية تملأ حياته الفو وعظمة.

وظل صهيب يصلى بالمسلمين بعد وفاة عمر الى أن بايع المسلمون عثمان رضي الله عنهم على الخلافة.

فرضي الله عن يا أبا يحيي و وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 9- ضماد رضي الله عنه

      رجل من أزدشنودة

هو رجل من أزد شنودة، كان يرقي المرضى تعوذا من الأذى، وعندما سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وما يدعو اليه، وتسفيه قومه له، عرض على قريش أن يجمعوه به لعله يستطيع مداواته.

اسلامه رضي الله عنه

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قدم ضماد وهو رجل من أزدشنودة، وكان يرقي المرضى من هذه الرياح، فسمع سفهاء أهل مكة يقولون: أنّ محمد (صلى الله عليه وسلم) فقال: أين هذا الرجل؟ لعلّ الله يشفيه على يدي، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: اني أرقي من هذه الرياح، وانّ الله يشفي على يديّ من شاء، فهلمّ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك الله، أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، فقال ضماد: والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، وما سمعت مثل هؤلاء الكلمات، فهلمّ يدك أبايعك على الاسلام، فبايعه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: وعلى قومك، فقال ضماد رضي الله عنه:أعد كلماتك هؤلاء يا رسول الله، فلقد بلغن قاموس البحر.

ولنترك ضماد رضي الله عنه يحدثنا عن قصة اسلامه بنفسه فيقول:

قدمت مكة معتمر، فجلست مجلسا فيه أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، فقال أبوجهل: هذا الرجل قد فرّق جماعتنا’ وسفه أحلامن، وأضلّ من مات من، وعاب آلهتن، فقال أمية: الرجل مجنون بلا شك، فوقعت كلمة مجنون في نفسي وقلت: اني رجل أعالج من الريح، فقمت من لك المجلس، وطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أصادفه ذلك اليوم، حتى كان الغد وجدته جالسا خلف المقام يصلي، فجلست حتى فرغ، ثم جلست اليه وقلت: يا ابن عبد المطلب، فأقبل عليّ فقال: ما تشاء؟ فقلت: اني أعالج من الريح، فان أحببت أعالجك ولا تكبرن بك فقد عالجت من كان به أشدّ مما بك فبر، وسمعت قومك يذكرون فيك خصالا سيئة، من تسفيه أحلامهم، وتفريق جماعتهم، وتضليل من مات منهم، وتعييب آلهتهم، فقلن: ما فعل هذا الا رجل به جنة (جنون).

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به وأتوكل عليه، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، فسمعت كلاما لم أسمع بأحسن منه  من قبل قط، فطلبت منه أن يعيده عليّ، فأعاده، ثم قلت له: الام تدعو؟ فقال: الى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتخلع الأوثان من رقبتك، وتشهد أني رسول الله، فقلت: فماذا لي ان فعلت؟ قال: لك الجنة، فقلت: أشهد أن لا اله الا الله وحده لاشريك له، واشهد أنك عبد الله ورسوله، وأخلع الأوثان من رقبتبي وأبرأ منه.

فرضي الله عن ضماد وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاه.

 

10- سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه

     أول رجل يرضع في الاسلام

قصة ارضاع الكبير على حقفيقتها وما سواها فهو باطل

هذا الصحابي الجليل كان خادم لأبي حذيفة رضي الله عنهم، وأرادت امرأة أبي حذيفة أن تتبناه، وعندما شب وبات رجلا ذهبت الى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: انّ سالم يدخل علينا مذ كان صغيرا ولا زال الى الآن،  وانّ أبي حذيفة تتملكه الغيرة من هذا فماذا أفعل؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي، (أي أرضعيه يغدو محرما عليك)، وقد شرح لها النبي صلى الله عليه وسلك كيفية الارضاع بأن تأخذ من ثدييها مقدار كوب من الحليب وتسقيه اياه على خمس أيام متوالية، حتى غدت امرأة أبي حذيفة أمه بالرضاعة.

هذه هي حقيقة ارضاع الكبير وقد رخصّت لهذه المرأة وهذا الصحابي الجليل فقط، وهي رخصة خاصة منحها النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي حذيفة دون سواه،  وليس كما يدعى بعضا من زنادقة هذه الأيام بأنّ سالم قد التقم ثدي امرأة أبي حذيفة، وهذا افتراء وكذب وزور وبهتان على أمة رضي الله عنها.

ان قصة هذا الصحابي الجليل كقصة بلال وصهيب وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين وكقصة عشرات العبيد والفقراء الذين كانوا عبيدا ورقيقا.

سمي بهذا الاسم رضي الله عنه لأنه كان رقيقا فأعتق، وكان من ضمن الصحابة الكرام الأربعة الذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام أخذ القرآن الكريم منهم:

خذوا القرآن من أربع: ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.

لقد آمن رضي الله عنه ايمان الصادقين، وسلك طريقه الى الجنة بسلوك الأبرار المتقين، وارتقى بتقواه وورعه الى أعلى مراتب المجتمع الجديد الذي جاء بالاسلام على أساس متين وعادل عظيم.

لقد كان رضي الله عنه حجة في القرآن الكريم، وكان معه من الخير والتفوق ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول له رضي الله عنه: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك.

فضائله رضي الله عنه

لقد كانت الفضائل تزدحم فيه رضي الله عنه، وكان لا يعرف الصمت ابدا تجاه كلمة من واجبه أن يقوله، فهو يعتبر السكوت على أشياء يجب البوح بها خيانة في خطأ يراه من منطلق قوله صلى الله عليه وسلم: الساكت عن الحق شيطان أخرس.

سالم في ميزان الفاروق رضي الله عنهما

قال عنه عمر رضي الله عنه وهو يموت: لو كان سالم حيا لوليته الأمر من بعدي.

وفاته رضي الله عنه

استشهد في معركة اليمامة ضد المرتدين عن الاسلام، حيث أحاطت به طائفة من المرتدين فسقط البطل على ساحة الوغى مضرجا بدمائه الزكية والطاهرة، وقد ظلت روحه تتردد في جسده الطاهر الى أن انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب رأس الكفر والشرك، واندحار جيشه معه، وانتصار جيش المسلمين بقيادة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه، وبينما المسلمون يتفقدون ضحاياهم وشهداؤهم، وجدوا سالما في النزع الأخير، فسالهم: ما فعل أبو حذيفة؟ ولما قالوا له: استشهد ، قال رضي الله عنه: ضعوني الى جواره’، فقالوا له: انه الى جوارك يا سالم، فابتسم رضي الله عنه ابتسامته الأخيرة، ولم يعد يتكلم.

لقد أدرك سالم وأبو حذيفة رضي الله عنهما ما كانا يرنوان اليه، فهنيئا لهما الشهادة في سبيل الله.

فرضي الله عنهما وعن مرضعته وصلى الله وسلم وبارك على من رباهم.

11-  محمد بن مسلمة رضي الله عنه

       من كان يحمل روحه على كفه

ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس مع أصحابه الكرام، اذ قال: من لي بكعب بن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة رضي الله عنه أتحب أن أقتله؟ أجابه صلى الله عليه وسلم: نعم! وكان ذلك.

من هو كعب الأشرف ذاك الذي أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه؟

انه رجل من أهل الكتاب ومن أشرافهم، كان لا يجلس مجلسا ولا يمر بطريق الا  ورا ئحة الطيب تعبق منه.

هيأ محمد بن مسلمة رضي الله عنه نفسه لتنفيذ مهمته واستعان بأبو نائلة أخ كعب بن الأشرف بالرضاعة، وذهبا اليه معا ليل، وعندما علم كعب بحضورهما دعاهما الى الحصن، وعندما همّ بالنزول اليهما قالت له امرأته: أين تخرج في مثل هه الساعة يا كعب؟ أجابها: محمد بن مسلمة وأخي ابو نائلة ينتظرانني في الحصن، وكان محمد بن مسلمة قد أدخل معه رجلين واراهما عن الأعين واتفق معهما ابن سلمة على كلمة السر بينهم، فنزل كعب اليهما متوشحا وريح الطيب يعبق منه حتى ملأ المكان، فقال له ابن مسلمة رضي الله عنه: ما رأيت رائحة أطيب من رائحتك يا كعب! أجابه: وكيف لا!  وعندي أعطر نساء العرب وأكملهنّ، فقال له: أتأذن لي أن أشمّ رأسك يا كعب؟ ولما دنا منه كان قد خرج الرجلين من مخبئهم، فانقضا عليه انقضاض رجل واحد كانقضاض الأسد على فريسته، وأوسعاه ضربا على جسده ورأسه حتى أردياه جثة هامدة، ثم اخذوا رأسه وجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله عزوجل على قتله، ثم قال: أفلحت الوجوه، قالوا: ووجهك يا رسول الله.

وعندما علمت قبيلته بمقتل شريفهم ذعرت، وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: لقد قتل سيدنا كعب غيلة، وعندما أخبرهم بأنه آذى الله تعالى ورسوله كثير، عرفوا من قتله، فخافوا ولم ينبسوا ببنت شفة.

فرضي الله عن ابن مسلمة وصلى الله وسلم وبارك على من رباهم.

 12-سعد بن معاذ من اهتز عرش الرحمن لموته  رضي الله

13- وأبوه معاذ بن جبل امام العلماء يوم القيامة   رضي الله عنه 

نبدأ بالصحابي الجليل الأب معاذ بن جبل رضي الله عنه، هو رجل من الأنصار وزعيم من زعماء الأوس، ومن قبيلة بني عبد الأشهل الأوسية، وهو أحد السبعين رجلا الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية.

فقيه الأمة

كان رضي الله عنه شابا مشرق الوجه، رائع الفطرة، بهي الطلعة، برّاق الثناي، يبهر الأبصار يهونه وسمته وسكينته، واذا تحدّث اشرابت الأعناق مصغية الى حديثه.

وكان رضي الله عنه فقيها وعالما فذا من فقهاء الاسلام، أمدّه الله تعالى بعلم وبصيرة متقدة حتى بات أعلم الأمة بالحلال والحرام وبشهادة خير البرية اطلاقا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل.

في استنارة عقله وشجاعته وذكاءهو كان يماثل عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وحين انتدبه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن، دار بينه وبين النبي  صلى الله عليه وسلم هذا الحوار:

بماذا تقضي يا معاذ؟

بكتاب الله

فان لم تجد في كتاب الله؟

بسنة رسوله

فان لم تجد في سنتة رسوله؟

أجتهد رأيي ولا ألو فيه.

فتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول، رسول الله لما يرضي رسول الله.

انّ ولاء معاذ رضي الله عنه لكتاب الله ولسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم لا يحجب عنه عن متابعة رؤاه، ولا يحجب عقله تلك الحقائق الهائلة التي تنتظر من يكتشفها ويواجهه، ولعل القدرة على الاجتهاد والشجاعة في استعمال الذكاء والعقل هما اللذان مكنتا معاذ رضي الله عنه من أرائه الفقهية التي فاقت آراء كل من حوله.

قالوا عنه رضي الله عنه

يقول عائذ الله بن عبد الله رضي الله عنه: دخلت المسجد يوما في اول خلافة عمر رضي الله عنه، فجلست مجلسا فيه بضع وثلاثون رجلا كلهم يذكرون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الحلقة شاب شديد الأدمة، حلو المنطق، وضيء الوجه، فاذا اشتبه عليهم من الحديث شيء ردوه اليه فأفتاهم، ولا يحدثهم الا حين يسالونه، ولما قضي مجلسهم، دنوت منه وسألته: من أنت يا عبد الله؟ قال: انا معاذ بن جبل.

وقال أبو مسلم الخولاني: دخلت مسجد حمص، فاذا بجماعة من الكهول يتوسطهم شاب براق الثناي، صامت لا يتكلم، فاذا امترى (ارتاب، شك) القوم في شيء توجهوا اليه يسألونه، فقلت لجليس لي: من هذا؟ قال: معاذ بن جبل، فوقع في نفسي حبه.

حتى عمر رضي الله عنه كان كثيرا ما يستشيره في بعض أمور الحكم والدين، وكان كثيرا ما يقول: لولا معاذ بن جبل لهلك عمر.

وقال عنه رضي الله عنهما: لو كان معاذا حيا ووليته الأمر من بعدي وسألني ربي عزوجل من وليت على أمة محمد (صلى الله علية وسلم)؟ لقلت: وليت عليهم معاذ بعد أن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: معاذ بن جبل امام العلماء يوم القيامة.

ولقد وصفه أحد معاصريه بقوله: اذا تحدث معاذ بن جبل كان كأنه يخرج من فمه نور ولؤلؤ.

وقال عنه ابن مسعود رضي الله عنهما:انّ معاذ كان أمة قانتا لله حنيف، ولقد كنا نشبّهه بابراهيم عليه الصلاة والسلام.

ذات يوم قال له أحد المسلمين علمني! اجابه رضي الله عنه: وهل أنت مطيعي ان علمتك؟ أجاب الرجل: اني على طاعتك لحريص! فقال رضي الله عنه: صم وأفطر ونم، ولا تموتن الا مسلم، واياك ودعوة المظلوم.

مناقبه رضي الله عنه

وعلى الرغم من مات في ريعان الشباب الا أنه بلغ رضي الله عنه من العلم منزلة سامية .

كان سمح اليد والنفس والخلق الكريم، وكان جوادا كريم، وقد ذهب كل ماله بجوده وكرمه وسخاءه، ومات النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رضي الله عنه في اليمن يعلم الناس أمور دينهم ويفقههم في الدين، ولم يعد منها الا في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما.

كان رضي الله عنه ظاهر الكف، بريء الذمة، ورغم أنه كان ثريا الا أنه لم يكتسب اثم، ولم يقترف شبهة أبدا.

كان عمر رضي الله عنه قد عرض عليه أن يشاطر أبو بكر رضي الله عنه بماله فأبى، وفي الغداة كان يطوي الأرض حثيثا شطر دار عمر رضي الله عنهم، ولا يكاد يلقاه حتى يعانقه ودموعه تسبق كلماته قائلا له: لقد رأيت الليلة أني أخوض جوفة ماء، أخشى على نفسي من الغرق، حتى اذا جئت وخلصتني منها يا عمر.

ومن هذه الرؤيا يدرك معاذ سداد مشورة عمر رضي الله عنهما بعرضه ذاك، فيذهبا معا الى أبي بكر رضي الله عنهم، ويطلب اليه معاذ أن يشاطره ماله، الا أنّ رفيق وصاحب خيرالبرية صلى الله عليه وسلم قال له:  لا آخذ منك شيئا ، فنظر عمر الى معاذ رضي الله عنهما وقال: الآن يا معاذ حلّ وطاب.

ما كان أبو بكر التقي الورع،  والذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم تربيته أن يدع درهما واحدا مع معاذ فيما لو ارتاب ارتيابا أن معاذ قد اكتسب المال بغير حقه، وما كان عمر الفاروق الذي فرّق بين الحق والباطل، والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان نبيا بعدي لكان عمر، أن يتهم معاذ بتهمة او ظن في عصر تجلىّ فيه المثل والأخلاق، عصر كان يزخر بقوم يتسابقون فيه الى الكمال الانساني، فمنهم الطائر المحلق، ومنهم المهرول، ومنهم المقتصد، وجميعهم رضي الله عنهم  كانوا في قافلة الخير سائرون، ولهذا قال عمر رضي الله عنه مقولته المشهورة: ما سعيت الى خير أبد، الا وسبقني اليه أبو بكر.

فضائله رضي الله عنه

قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا معاذ!  والله اني لأحبك، فلا تنسى أن تقول عقب كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

ولقيه النبي صلى الله عليه وسلم ذات صباح، فدار بينهما هذا الحوار:

كيف أصبحت يا معاذ؟

أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله.

انّ لكل حق حقيقة، فما حقيقة ايمانك؟

ما أصبحت قط الا ظننت أني لا أمسي، ولا أمسي الا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة الا ظننت أني لا أتبع غيره، وكأني أنظر الى كل أمة جاثية تدعى الى كتابه، وكأني أرى أهل الجنة في الجنة ينعمون، واهل النار في النار يعذبون.

عرفت فالزم.

وفاته رضي الله عنه

لكل أجل كتاب، وحان أجل امام علماء امة الاسلام، ودعي الى لقاء مولاه تبارك وتعالى بنفس مطمئنة راضية مرضية، وفي سكرات الموت تنطلق في اللاشعور حقيقة كل حي، وتجري على لسانه ان استطاع الحديث كلمات تلخص كل حياته بشريط ذكريات سريع يمر من أمامه كلمح البصر، وفي تلك اللحظات، قال معاذ رضي الله عنه كلمات عظيمة تخر الجبال لععظمته، كلمات تنم عن ايمان عظيم لرجل عظيم، فقال رضي الله عنه وهو يحدق في السماء مناجيا ربه الرحمن الرحيم: اللهم اني كنت أخافك، لكني اليوم أرجوك، اللهم انك تعلم أني لم أكن احب الدنيا تجري كالأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ونيل المزيد من العلم والايمان والطاعة.

وبسط يمينه كأنه يصافح الموت وراح في غيبوبة  ورضي الله عنه يردد: مرحبا بالموت.

13- أما سعد بن معاذ رضي الله عنه

      فقد اهتز عرش الرحمن تبارك وتعالى  لموته

هل تريدون أن أتناول بعضا من سيرته العطرة أم تعريفي له بهذا العنوان يكفي؟

 في العام ال 31 من عمره أسلم، وفي العام 37 من عمره المبارك لبى نداء المولى عزوجل اثر جرح غائر في ذراعه أقعدته ما يقارب الشهر تحت وطاة الجراح على أثرها انتقل الى رحمة الله ورضوانه، وما بين الست أعوام تلك كان لسعد رضي الله عنه ألف حكاية وحكاية لا تنتهي.

ست سنوات وردية وأياما شاهقة قضاها رضي الله عنه في خدمة الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

اسلامه رضي الله عنه

كان رجلا  وسيما جليل، فارع الطول، مشرق الوجه، جسيم جزل، يقطع الأرض وثبا الى دار ابن خالته أسعد بن زرارة ليلتقي مصعب بن عمير رضي الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة ليبشر بالتوحيد والاسلام، ومنذ أن بدا يصغي رضي الله عنه اليه ويسمعه، فقد أضاءت نفسه وروحه الى نور الله تبارك وتعالى.

وفي  بيعة العقبة الثانية، كان رضي الله عنه أحد السبعين أنصاريا الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الاسلام، وباسلامه تشرق في المدينة شمس جديدة ستدور في فلكها قلوب كثيرة تسلم مع حمد لله رب العالمين.

وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة، كانت بيوت بني عبد الأشهل مشرعة الأبواب للمهاجرين، وكانت أموالهم كلها تحت تصرف المهاجرين بلا منّ ولا أذى ولا حساب.

وتأتي غزوة بدر ويجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين والأنصار ويشاورهم بأمر خوض الحرب مع قريش، ويمم وجهه الكريم صلى الله عليه وسلم ناحيةالأنصارويقول: أشيروا عليّ ايها الناس،  فينهض سعد رضي الله عنه قائما كالعلم قائلا: يا رسول الله، لقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق، واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقن، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، والذي بعثك بالحق نبي، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف من رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غد، انا لصبر في الحربو صدق في اللقاء، ولعل الله يريك ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله.

ويتهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم ويتألق  رضا وسعادة وغبطة  لكلمات سعد رضي الله عنه، وقال صلى الله عليه وسلم: سيروا على بركة الله وأبشروا فانّ الله وعدني احدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الى مصرع القوم.

وفي غزوة أحد، عندما تشتت المسلمون تحت وقع القوة الباغية المشركة والتي فاجأتهم من حيث لا يشعرون، لم تكن عين سعد رضي الله عنه  لتخطىء النبي صلى الله عليه وسلم، لقد سمّر قدميه في الأرض وبقي يقف الى جوار النبي صلى الله عنه وسلم يذود عنه ويدافع في استبسال شديد هو وطلحة بن عبيد الله وثلة من الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين.

وجاءت غزوة الخندق غزوة الأحزاب، وقد سميت بغزوة الأحزاب لائتلاف قريش وبني قريظة وبني غطفان على المسلمين، وسميت بالخندق لأن سلمان الفارسي رضي الله عنه أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بحفر خندق حول المدينة يمنه جيش الشرك من اقتحام المدينة، وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بنية بنو قريظة بنية دخولهم في الحرب كحليف لقريش ضد المسلمين ارسل النبي صلى الله عليه وسلم السعدان- سعد بن معاذ وسعد بن عبادة-  رضي الله عنهما الى كعب بن أسد زعيم يهود بنو قريظة ليتبينا حقيقة موقفهم من الحرب المرتقبة خاصة وأنذ هناك عهودومواثيق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بنو قريظة، فلما التقى مبعوثا النبي صلى الله عليه وسلم بزعيم يهود بني قريظة قالوا: ليس بيننا وبين محمد (صلى الله عليه وسلم) عهودا ولا عقودا.

لقد عزّ على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعرض أهل المدينة الى غزو ثلاثي مدمدم، وعزّ عليه صلى الله عليه وسلم الحصار المنهك الذي فرضه عليه الأحزاب، ففكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعزل غطفان عن قريش وراح صلى الله عليه وسلم يفاوض زعماء غطفان على أن ينفضوا أيديهم من الحرب مقابل ثلث ثمار المدينة، وعندما رضي قادة غطفان بعرض النبي صلى الله عليه وسلم، لم يبق الا الا ان يوقع الاتفاق بينهم، وعند هذا المدى توقف النبي صلى الله عليه وسلم عن التوقيع عندما لم يكن من حقه أن ينفرد وحده بأمر كهذا فدعا اليه أصحابه ليشاورهم بالأمر، واهتم النبي صلى الله عليه وسلم برأي السعدين  رضي الله عنهم، فهما أصحاب الحق في هذا الأمر.

وبعد أن عرض  صلى الله عليه وسلم عليهما الأمرقالا: يا رسول الله! أهذا رأي تختاره؟ أم وحي أمرك الله به؟

قال صلى الله عليه وسلم: بل أمر أختاره لكم، والله ما أضع ذلك الا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عند قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن اكسر عندكم شوكتهم الى أمر ما.

وأحسّ سعد بن معاذ أنّ اقدارهم كرجال ومؤمنين تواجه امتحانا صعب، هنالك قال سعد رضي الله عنه: يا رسول الله! قد كنا وهؤلاء على الشرك وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا ثمرة، الا قرى-أي كرما وضيافة- أ فحين اكرمنا الله بالاسلام وهدانا لهو واعزّنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم الا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.

وعلى الفور عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه وأخبر رعماء غطفان أنّ اصحابه رفضوا مشروع المفاوضة، وانه أقرّ رأيهم والتزم به.

وبعد أيام شهدت المدينة حصارا رهيب، ولبس المسلمون لباس الحرب، وخرج سعد بن معاذ رضي الله عنه حاملا سيفه ورمحه وهو ينشد ما أجمل الموت اذا حان الأجل، وفي احدى الجولات تلقت ذراع سعد رضي الله عنه سهما وبيلا قذفه به أحد المشركين ليتفجر الدم من وريده، ويسعف اسعافا سريعا ومؤقتا كي يرقأ نزيفه، ثم امر النبي صلى الله عليه وسلم به أن يحمل الى المسجدو وان تنصب له خيمة حتى يكون على مقربة منه أثناء تمريضه، ورفع سعد رضي الله عنه بصره الى السماء وقال: اللهم ان كنت قد أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني له، فانه لا قوم احبّ اليّ ان اجاهدهم من قوم آذوا رسولك واخرجوه، وان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعل ما أصابني اليوم طريقا الى الشهادة، ولا تمتني حتلى تقرّ عيني من بني قريظة.

شهرا كاملا وقريش تحاول اقتحام المدينة ولم تستطع بسبب الخندق الذي حفره المسلمون حوله، وفي ليلة من الليالي أرسل الله تعالى ريحا صرصرا عاتية على قريش اقتلع معها خيامهم ومتاعهم وعادوا مخذولين مدحورين الى مكة.

بعد أن انسحبت قريش رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن يربي بنو قريظة، فامر أصحابه بالسير الى بني قريظة وفرضوا عليهم حصارا شديدا لخمس وعشرون يوما حتى أجبرهم على الاستسلام، وتقدموا برجاء للنبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فيهم سعد بن معاذ حليفهم في الجاهلية، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه رضي الله عنهم من جاء بسعد رضي الله عنه محمولا على دابة وقد نا منه الاعياء والمرض، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سعد احكم في بني قريظة! وراح سعد رضي الله عنه يستعيد محاولات الغدر التي كان آخرها غزوة الخندق والتي كادت تهلك اهلها بالحص، وقال: اني ارى ان يقتل مقاتلوهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم اموالهم.

وفاته رضي الله عنه

حين اشتد المرض على سعد رضي الله عنه، ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه يعوده فوجه يعيش لحظات الوداع، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رأسه رضي الله عنه ووضعه في حجره وابتهل صلى الله عليه وسلم الى الله تبارك وتعالى قائلا: اللهم انّ سعدا قد جاهد في سبيلك وصدق رسولك وقضى الذي عليه، فتقبّل روحه بخير ما تقبّلت به روحا.

ووقعت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم على الروح المودعة بردا وسلام، فحاول رضي الله عنه جاهدا فتح عينيه راجيا أن يكون وجه النبي صلى الله عليه وسلم آخر وجه يراه قبل موته، ثم قال رضي الله عنه: السلام عليك يا رسول الله، اما اني أشهد انك رسول الله، وتملى النبي صلى الله عليه وسلم وجه سعد رضي الله عنه، وقال: هنيئا لك يا أبا عمرو.

ولما رأى اهل سعد رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم وضع رأس سعد في حجره، ذعروا من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استأذن الله من ملائكته عددكم في البيت ليشهدوا وفاة سعد.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد نزل لسعد بن معاذ سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبله.

وعندما أخرجوه رضي الله عنه محمولا على الأكتاف الى مثواه الأخير قال ناس من المنافقين: ما أخفّ جنازة سعد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد نزل سبعون الف من من الملائكة شهدوا جنازة سعد.

وفي رواية: والذي نفسي بيده، لقد كانت الملائكة تحمل سريره.

ضغطة القبر حق

وحين دفن سعد رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! لو انفلت (نجا) من ضغطة القبر أحد لانفلت منها سعد.

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنت ممّن حفروا لسعد قبره، وكنا كلما حفرنا طبقة من تراب شممنا ريح المسك حتى انتهينا الى اللحد.

لقد كان مصاب المسلمين بسعد رضي الله عنه عظيم، ولكن عزاؤهم كان جليل، حين سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ.

ذات يوم قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: يا سعد! احفظ ما بين لحييك وما بين رجليك أضمن لك الجنة، فقال رضي الله عنه: أو نؤاخذ على ألسنتنا يا رسول الله؟ أجابه صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا سعد! أو يكبّ الله الناس على وجههم الا من حصاد ألسنتههم.

فرضي الله عن معاذ وابنه سعد  وصلى الله وسلم على من رباهما.

14- معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما

     أول خليفة اموي في الدولة الاسلامية

أبوه أبو سفيان بن حرب وأمه هند بنت عتبة، وقد كانا من أعتى أعداء الاسلام والنبي صلى الله عليه وسلم، حتى اذا كان عام الفتح أسلما وحسن اسلامهم، وأمّن النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان وقال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، وهند بن عتبة هي من أمرت الوحشي بقتل الحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم في معركة أحد، ومن ثم طلبت منه أن يستخرج كبده بعد مقتله ولاكت قطعة من كبده رضي الله عنه، وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم على عمه الحمزة، ولم يحزن على استشهاده بقدر ما حزن على  التمثيل بجثته رضي الله عنه، وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يومها بالانتقام لعمة الحمزة رضي الله عنه، وأن يمثل بالمشركين، فأنزل الله تعالى عليه قرآنا يحثه فيه صلى الله عليه وسلم أن يعاقب بالمثل والصبر أفضل له من العقاب، فامتثل النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربه سبحانه وتعالى وكفّر عن يمينه.

اسلامه رضي الله عنه

أسلم معاوية رضي الله عنه يوم الحديبية، وبقي في مكة لا يظهر اسلامه خوفا من أبيه،  ثم أظهره يوم فتح مكة، قبل أن يسلم أبويه بقليل.

كان رضي الله عنه طويلا أبيضا وسيم، اذا ضحك انقلبت شفته العليا و وكان يخضب شعره ولحيته بالصفرة.

وعن اسلامه يحدثنا رضي الله عنه فيقول: في صلح الحديبية ويوم وقعوا الصلح وقع الاسلام في قلبي، فذكرت ذلك لأمي فقالت: اياك أن تخالف أباك، فاخفيت اسلامي، فو الله لقد رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية وأنا مصدّق له، ودخل مكة عام عمرة القضاء وأنا مسلم، وعلم أبو سفيان باسلامي وقال لي يومها: لكن اخاك خير منك وهو على ديني (يقصد يزيد)  وأظهرت اسلامي يوم الفتح فرحب بي النبي صلى الله عليه وسلم وكتبت له.

أما عن الفتنة التي حدثت بينه وبين الامام علي رضي الله عنهما وموقعة الجمل وصفّين فقد تناولت منها ما يكفي مما تقدم في قصة عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

فرضي الله عن معاوية وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

15- مصعب بن عمير رضي الله عنه

   أول سفير للدولة الاسلامية في المدينة المنورة

هو غرة فتيان قريش وأوفاهم جمالا وشبابا وحسبا ونسب، وكان اعطر اهل مكة ، وكما يقولون ولد وفي فمه ملعقة من ذهب.

لقد حظي من الدلال ما لم يحظى به ولدا قبله.

هذا القدر الريّان المدلل المنعم والذي كان حديث الحسان في مكة، ولؤلؤة ندراتها ومجالسه، أيمكن أن يتحول في يوم وليلة الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء؟

أجل! وليس على الله بعزيز، انه نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء.

يا الله! ما أروعه من نبأ! مصعب بن عمير أو كما يلقبه المسلمون مصعب الخير يصبح بين ليلة وضحاها من أولئك الذين صاغهم الاسلام ورباهم رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم؟

حين لامست يمين النبي صلى الله عليه وسلم الكريمة صدر مصعب المتوهج، وفؤاده المتوثب، اصبحت السكينة العميقة عمق المحيط تدور في فلك مصعب الفتى الذي آمن وأسلم ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره رضي الله عنه، ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان.

الخيار الصعب

انّ ما تعرّض له سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مع أمه قد تعرض له مصعب بن عمير رضي الله عنه، وكما وقف سعد رضي الله عنه موقفا صعبا وخيارا أصعب، كذلك مصعب رضي الله عنه يعيش هذه اللحظات، والخيار هو بين طاعة الأم واختيار المنهج الصح، ولا ثالث لهم، وعندما حذا مصعب حذو سعد رضي الله عنهم، واختار الاسلام على امه خناس بنت مالك والتي كانت تتمتع بقوة فذة في شخصيته، وكان رضي الله عنه يهابها الى حد الرهبة، ولم يكن يهاب أحدا على ظهر الأرض سواها.

كان على استعداد أن يجابه قريش بأسيادها وأشرافها الا خصومة أمه، فهذا الهول الذي لا يطاق، لأجل هذا قرر أن يكتم اسلامه حتى يقضي الله أمر، وبقي يتردد على  الصفا في دار الأرقم ويجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو قرير العين بايمانه ليتفادى غضب أمه التي لم تعلم بخبر اسلامه بعد.

ان مكة في تلك الأيام لم يكن ليخفى عليها سر، فآذان قريش كلها صاغية على كل الطرق، وعيونها وراء بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة، وما ان أبصر عثمان بن أبي طلحة رضي الله عنه ذاك الفتى يدخل دار الأرقم حتى سابق ريح الصحراء وزوابعها شاخصا الى أم مصعب يلقي عليها نبأ اسلام ولدها مصعب، ذلك النبأ الذي وقع عليها وقع الصاعقة أفقدها صوابه، ويقف مصعب رضي الله عنه أمام أمه وعشيرته وأشراف مكة مجتمعين يتلو عليهم – آيات من القرآن الكريم - يقين الحق وثباته القرآن الذي يغسل به الرسول صلى الله عليه وسلم قلوبهم ويملؤها حكمة وشرفا وعدلا وتقى.

وهمّت امه لتسكته بلطمة قاسية على وجهه، الا أنّ اليد التي امتدت كالسهم ما لبثت أن استرخت وتنحت أمام النور الذي زاد وجه مصعب رضي الله عنه وسامة وبهاء وجلال، ومضت به الى ركن قصيّ من أركان دارها وحبسته فيه وأحكمت عليه اغلاقه خشية عودته الى مجالس النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وظل رهين محبسه حتى اذا خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى الحبشة غافل أمه وحراسه ومضى مهاجرا أوّابا.

ذات يوم والصحابة وهم جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم، اذ خرج عليهم مصعب رضي الله عنهم ، فغضوا أبصارهم وذرفت عيونهم دمعا طيب، ذلك أنهم رأوه يرتدي جلبابا مرقعا بالي، وعادوا الى صورته الأولى قبل الاسلام حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة، ألقا وعطر، وتملى النبي صلى الله عليه وسلم مشهده بنظرات حكيمة شاكرة وتألقت على شفتيه الطاهرتين ابتسامته الجليلة صلى الله عليه وسلم وقال:

 لقد رأيت مصعبا هذ، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله.

لقد منعته أمه حين يئست من رده كل ما كانت تفيض عليه من نعمة وأبت عليه أن ياكل طعامها انسان قد هجر الآلهة،  وحاقت به لعنتها حتى لو كان هذا الانسان ابنها.

لقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة أخرى بعد رجوعه من الحبشة، فآلى على نفسه لئن فعلت ليقتلنّ كل من يستعين به على حبسه، ولأنها كانت تعلم صدق عزمه اذا همّ على أمر، فقد ردعته باكية، وودعها باكي، وكشفت لحظة الوداع على اصرار عميق على الكفر من جانب الأم، واصرار أكبر على الايمان من جانب الابن، لقد قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك، لم أعد لك أم، فاقترب منها وقال: يا أمة! اني لك ناصح، وعليك شفوق، فاشهدي بأنه لا اله الا الله محمد رسول الله.

فأجابته غاضبة: قسما بالثوابت، لا أدخل في دينك فيزري برأيي ويضعف عقلي.

وخرج مصعب رضي الله عنه من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا عليها الشظف والفاقة، وأصبح الفتى المتأنق المعطر يرتدي أخشن الثياب، يأكل يوما ويجوع أيام، الا أنّ روحه المتأنقة بنور الله تبارك وتعالى، وبسمو العقيدة قد جعلت منه انسانا آخرا يملأ الأعين جلالا والأنفس روعة.

عند ذلك اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لأعظم مهمة في التاريخ وهي أن يكون سفيره الى المدينة المنورة، يفقه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، ويهيء المدينة ليوم الهجرة العظيم.

أول سفراء الاسلام

لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم مصعب الخير وهو يعلم أنه يوكل اليه أخطر قضايا الساعة، ويلقي بين يديه مصير الاسلام كله في المدينة المنورة التي ستكون دار الهجرة، ومنطلق الدعوة الى الله تعالى، والدعاة والمبشرين بعد حين من الزمان.

وحمل مصعب رضي الله عنه الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل، وكريم الخلق، وهاتين الصفتين الحميدتين كانتا جواز السفر الذي يمر من خلاله مجالس المدينة ويدخل به قلوب وأفئدة أهل المدينة الذين دخلوا في دين الله أفواجا.

حين دخل مصعب رضي الله عنه المدينة فقد استضافه أسعد بن زارارة رضي الله عنه،  ولم يكن فيها سوى اثني عشر مسلما هم من بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، ولم يكد يقيم بين أهلها بضعة أشهر حتى بايع النبي صلى الله عليه وسلم في العام التالي سبعين رجلا وامرأتان شقيقتان من اهل المدينة.

لقد واجه مصعب رضي الله عنه من اهل المدينة معارضة شديدة خاصة من أشرافها وسادتها على رأسهم أسيد بن حضير الذي وقف مهتاجا يخاطب مصعب وأسعد بن زرارة رضي الله عنهم والشرر يخرج من عنيه، وبهدوء البحر وقوته، يتهلل ضوء الفجر بوداعته عندما تنفرج عن أسارير مصعب الخير ويتحرك بالحديث الطيب لسانه قائلا له: أولا اجلس واستمع، فان رضيت أمرنا قبلته، وان كرهته كففنا عنك ما تكره.

الله أكبر ما أروعها من بداية يا مصعب الخير!

وبما أنّ أسيد كان رجلا عاقلا وحكيما فقد أذعن لما يطلبه مصعب رضي الله عنهم، ولم يكد يتلو عليه آيات من الذكر الحكيم حتى أخذت أساريره تبرق وتشرق، وما كاد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد رضي الله عنه وبمن معه من القوم : ما أحسن هذا القول وما أصدقه، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين؟

قال رضي الله عنه:  يطهر ثوبه وبدنه ويشهد أن لا اله الا الله محمد رسول الله.

فأجابوه بتهليلة رجت الأرض رجا من تحت أرجلهم.

وسرى الخبر في المدينةعن اسلام أسيد وتبعه سعد بن معاذو وسعد بن عبادة زعماء الأوس والخزرج رضي الله عنهم، واقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: اذا كان أراف الأوس والخزرج قد تبعوا هذ، ففيم نتخلف نحن؟ وهكذا دخل الناس أغلب أهل المدينة في دين الله أفواجا.

استشهاده رضي الله عنه

لقد نجح أول سفير للدولة الاسلامية في مهمته نجاحا باهر، وتمضي الآيام ويهاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وتتملظ قريش بأحقاده، وتعد العدة لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين، وتقوم غزوة بدر الكبرى، وتليها أحد، ويقف النبي صلى الله عليه وسلم وسط صفوف الوجوه المؤمنة ليختار منها من يحمل الراية، ويدعو مصعب اليها فيتقدّم ويحمل اللواء، وتنشب المعركة الرهيبة ويحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ويغادر الرماة مواقعهم في أعلى الجبل جريا وراء الغنائم  بعدما انسحب المشركون منهزمين، وسرعان ما تحوّل نصر المسلمين الى هزيمة حين التف المشركون على المسمين يباغتونهم من أعلى الجبل، وتعم الفوضى والذعر في صفوف المسلمين، وبدا المشركون يركزون على النبي صلى الله عليه وسلم لينالوا منه، ويدرك مصعب رضي الله عنه الخطر المحدق على النبي صلى الله عليه وسلم، فيرفع اللواء عاليا ويطلق تكبيرة هادرة كهدير الليل العاصف، ومضى يصول ويجول وكل همه أن يبعد أنظار المشركين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب مصعب رضي الله عنه يقاتل وحده وكأنه جيش قائم بذاته،  يد تحمل الراية في تقديس، ويد اخرى تضرب بالسيف في عنفوان، فضربوه على يده اليمنى فقطعت، وهو يردد: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل، واخذ اللواء بيده اليسرى، وحنا عليه أحدهم فقطعها هي الأخرى، فضم الراية بعضديه الى صدره وهو يردد: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل، ثم حملوا عليه في الثالثة بالرمح ما أخطؤوه ، ويسقط اللواء منه ليسقط شهيدا على ساحة الشرف، ويهبط وحي السماء جبريل عليه السلام على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:

وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا

وبعد انتهاء المعركة المريرة، وجد جثمانه الطاهر راقدا وقد أخفى وجهه في تراب مضمخ بدماءه الطاهرة، وكأنه خشي أن يبصره رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جثة هامدة بلا حراك فيصيبه السوء، أو كأنه خجلان ان سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لك الله يا مصعب...يا من ذكرك عطر الحياة.

وجاء النبي صلى الله عليه وسلم يتفقد شهداء المعركة، وعند جثمان مصعب رضي الله عنه سالت دموعه وفية غزيرة ولم يجدوا شيئا يكفنوه فيه الا نمرة، كانوا اذا وضعوها على رأسه تعرّت رجلاه، واذا وضعوها على رجليه بان رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوا على رجليه من نبات الأذخر.

وعلى الرغم من استشهاد الحمزة وتمثيل المشركين بجثمانه رضي الله عنه، وعلى الرغم من مقتل عدد لابأس به من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والذي كل منهم يمثل عالما خاصا لوحده، الا أنه صلى الله عليه وسلم وقف على جثمان مصعب أول سفراء الاسلام يودعه وينعاه بقول الله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضلى نحبه ومن من ينتظر وما بدلوا تبديلا

ثم ألقى في أسى نظرته الأخيرة على بردته التي كفن بها وقال عليه الصلاة والسلام:  لقد رأيتك بمكة وما بها أرق حلة ولا أحسن لمّة منك ، ثم ها أنت شعث الرأس في بردة.

ثم هتف النبي صلى الله عليه وسلم وقد وسعت نظرته الحانية أرض المعركة، بكل ما عليها من رفاق مصعب رضي الله عنهم أجمعين وقال: انّ رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة.

ثم أقبل على أصحابه الأحياء من حوله وقال عليه الصلاة والسلام: أيها الناس زوروهم وأتوهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم مسلم الى يوم القيامة الا ردوا عليه السلام.

فرضي الله عن مصعب الخير وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

16- هشام بن العاص رضي الله عنه

       من رأى صور الآنبياء عليهم السلام

هذا الصحابي الجليل كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد أرسله الى جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة وهرقل ملك الروم يدعوهما الى الاسلام، ونترك الحديث لهشام رضي الله عنه كما ورد في كتاب حياة الصحابة للعلامة الشيخ محمد يوسف كاندهلوي رحمه الله حيّا وميتا:

" بعثت أنا ونعيم بن عبد الله الى هرقل ملك الروم بدعوة الى الاسلام، فخرجنا حتى قدمنا الغوطة- ضاحية من ضواحي دمشق وتبعد عن دمشق العاصمة  حوالي 10 أميا ل-

فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني- آخر ملوك الغساسنة في بلاد الشام- فدخلنا عليه فاذا هو في سريره، فأرسل الينا برسول نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسول، وانما بعثنا الى الملك، فان أذن لنا كلمناه، والا لم نكلم الرسول، فرجع اليه الرسول فاخبره بذلك، فأذن لنا الملك، فكلمته ودعوته الى الاسلام وعليه ثياب سود، فقلت له: وما هذه التي عليك؟ أجاب: لقد حلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، فقلنا له: ومجلسك هذا والله لنأخذنه منك، ولنأخذنّ ملكك الأعظم هذا انشاء الله، فقد أخبرنا بذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ولما تصدى لنا رجاله، فقال لهم: لستم بهم، انهم قوم يصومون النهار ويقومون بالليل، ثم قال: قوموا! وبعث معنا رسولا الى هرقل ملك الروم، حتى اذا اقتربنا من ملكه قيل لنا: انّ دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فان شئتم حملناكم على البغال، قلنا: والله لا ندخل الا على رواحلن، فأرسلوا الى الملك جوابنا فأمرهم بان ندخل عليه، فدخلنا متقلدين سيوفنا حتى اذا انتهينا الى غرفة الملك، قلنا قبل أن ندخل: لا اله الا الله والله أكبر، فأرسل الينا: ليس لكم أن تجهرواعلينا بدينكم، فدخلنا عليه وعنده بطارقة الروم- مستشاري الحروب- وكل ما حولنا أحمر من ثياب ومتاع وفرش، فعندما دنونا منه ضحك وقال: لم لم تحيّوني بتحيتكم فيما بينكم؟

 انّ تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيّي بها قومك لا يحل لنا أن نحييّك بها.

كيف هي تحيتكم فيما بينكم؟

السلام عليكم.

وكيف تردون؟

وعليكم السلام ورحمة الله.

 كيف تحيّون ملككم؟

نحييّه بها ويرد علينا بها أيضا.

ما هو أعظم كلامكم؟

لا اله الا الله

فلما تكلمنا بها انتفضضت الغرفة حتى رفع رأسه اليها ثم قال: بهذه الكلمة التي قلتموها انتفضت الغرفة، أتنتفض غرف بيوتكم كلما تقولوها؟

لا... ما رأيناها فعلت مثل هذا قط الا عندك.

لكم وددت لوأنكم كلما قلتموها تفعل مثل ذلك بغرفكم وخرجت من نصف ملكي.

ولم؟

لأنه يكون أيسر لشأنها وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة في شيء، بل من حيل الناس.

ثم دعوناه الى الاسلام، فسألنا عن صلاتنا وصيامن، وبعد أن أخبرناه عنهما أمر لنا بمنزل حسن وأكرم ضيافتن، فاقمنا في قصره ثلاثة أيام بلياليه، ثم أرسل الينا ليلا فدخلناعليه، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة المذهبة- اناء  مركب-  فيه بيوت صغيرة وعليها أبواب وقفل، ففتح أحدها واستخرج منها حريرة سوداء بداخلها صورة حمراء، واذ فيها رجل ضخم العينين،  وبدون لحية، لم أرى مثل طول عنقه، وله ضفيرتان من أحسن ما خلق الله، فقال: أتعرفون من هذا؟ قلنا:لا قال: هذا آدم (عليه السلام).

ثم فتح بابا آخر، وأخرج منه حريرة سوداء بداخلها صورة بيضاء، واذ فيها رجل له شعر قطيط (أجعد) أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، وقال: هذا نوح (عليه السلام).

ثم فتح بابا ثالث، وأخرج منه حريرة سوداء، بداخلها صورة رجل شديد البياض، حسن العينين، صلت الجبين (واسع وأملس) طويل الخدين، أبيض اللحية مبتسم، وقال: هذا ابراهيم (عليه  السلام).

ثم فتح بابا رابع، وأخرج منه حريرة سوداء بداخلها صورة رجل أبيض حسن الوجه، أقنى الأنف (طويل مع حدب في الوسط)  حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب الى الحمرة، ثم قال: هذا اسماعيل (عليه السلام).

ثم فتح بابا خامس، وأخرج منه حريرة سوداء بداخلها صورة أدماء ( سمرة شديدة) سمحاء (سوداء) واذا برجل أجعد قطط، غائر العينين، حديد النظر، عا بس، متراكب الأسنان، متقلص الشفة( منزوية للأعلى) كأنه غضبان، وقال: هذا موسى بن عمران (عليه السلام) والى جانبه صورة تشبهه، مدهان الرأس (دهن الشعر) عريض الجبين، في عينيه قبل(حول)  ثم قال: هذا هارون بن عمران (عليه السلام).

ثم فتح بابا سادس، وأخرج منه حريرة بيضاء، بداخلها صورة رجل سبط  ربعة (مربوع) ، كأنه غضبان، ثم قال: هذا لوط (عليه السلام).

ثم فتح بابا سابع، واخرج منه حريرة بيضاء، بداخلها صورة رجل ابضو مشرئب الحمرة، أقنى الأنف (طويل الأنف في وسط حدب) خفيف العارضين (الخدود) حسن الوجه، ثم قال: هذا اسحاق (عليه السلام).

ثم فتح بابا ثامن، واخرج منه حريرة بيضاء بداخلها صورة تشبه اسحق، على شفتيه خال، ثم قال: هذا يعقوب (عليه السلام).

ثم فتح بابا تاسع، واخرج منه حريرة بيضاء، بداخلها صورة رجل حسن الوجه، شبيه بآدم، كأن وجهه الشمس، ثم قال: هذا يوسف (عليه السلام).

ثم فتح بابا عاشر، وأخرج منه حريرة بيضاء بداخلها صورة رجل احمر الساقين (دقيق) أخفش العينين (صغيرة) ضخم البطن، متقلدا سيف، ثم قال: هذا داوود (عليه السلام).

ثم فتح بابا حادي عشر، وأخرج حريرة بيضاء بداخلها صورة رجل ضخم الآليتين، طويل الرجلين، يركب فرس،ثم قال: هذا سليمان (عليه السلام).

ثم فتح بابا ثاني عشر، وأخرج منه حريرة سوداء بداخلها صورة بيضاء ، واذا بشاب، شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن الوجه والعينين، هيئته كهيئة آدم، ثم قال: هذا عيسى (عليه السلام).

قلنا: من أين لك بتلك الصور؟ انّ هيئتها كهيئة نبينا عليه الصلاة والسلام قال: انّ آدم (عليه السلام) سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكانت في خزانة آدم (عليه السلام) عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين (عليه السلام) من مغرب الشمس، فدفعها الى دانيال (عليه السلام) ، ثم قال: أما والله! انّ نفسي طابت بالخروج من ملكي، وان كنت عبدا لأشركتكم ملكه حتى أموت.

ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا.

فلما أتينا أبا بكر رضي الله عنه، حدّثناه عن هرقل وما أرانا من صور، وبما قال، وبما أجازن، فقال أبو بكر رضي الله عنه: مسكين! لو أراد الله به خيرا لكان، ثم قال رضي الله عنه: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم واليهود يحبّون نعت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم."

فرضي الله عن هشام بن العاص وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاه.

                                                                                     تمت بحمد الله وتوفيقه

المراجع في قصص مدرسة الصحابة تم جمعها من:

* مجلد تفسير الامام العلامة ابن كثير للقرآن الكريم رحمة الله عليه وجزاه الله عنا في كل خير.

* مجلد حياة الصحابة للشيخ العلامة محمد يوسف كاندهلوي رحمة الله عليه.

* اضافة الى تصفح شبكات الانترنت في استخلاص بعض المعلومات لانجاز هذا العمل الجليل.

وأخيرا اقول: ما أصبت في هذا البحث فمن الله تبارك وتعالى وحده، وما أخطأت فيه فمن نفسي ومن الشيطان والله المستعان عليه انشاء الله.

                                                              جمع ودراسة : سمير السعدي

Google
الدال على الخير كفاعلة انشر الموقع لتعم الفائدة للجميع