موقع سنابل الخير  

مدونة محمد بن حمد الشهري  مساحة اعلانية 
الزهور للأعلانات  مساحة اعلانية 

شريط لحفظ القرآن الكريم

Google

الصفحة الرئيسية

صفحة الصحابة

مدرسة الصحابة رضي الله عنهم

 

     مدرسة الصحابة رضي الله عنهم   

 الصحابة بحرف العين

1- عامر بن فهيرة رضي الله عنه

     رفع الى السماء بعد استشهادة مباشرة

هذا الصحابي الجليل أكرمه الله عزوجل بأن رفعته الملائكة الى السماء بعد استشهاده مباشرة في غزوة بئر معونة مباشرة، ولو اكتفينا بهذا القدر من الحديث عن هذا الصحابي الجليل لكفى.

فعن عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما قال: لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن امية الضمري، أشار عامر بن الطفيل الى قتيل، وقال: لقد رأيته بعدما قتل أنه رفع الى السماء، واني لأنظر بينه وبين الأرض، ثم وضع، فاخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: انّ أصحابكم قد أصيبو، وانهم قد سألوا ربهم: ربنا أخبر اخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا! فأخبرهم عنهم،  وأصيب يومئذ عروة بن أسماء بنت الصلت فسمى عروة به (عروة بن الزبير) ومنذر بن عمرو وسمي به منذر (منذر بن الزبير) والذي قتل عامر بن فهيرة هو جبار بن سلمى الكلابي بطعنة بالرمح، فعندما طعن عامر قال: فزت وربّ الكعبة (أي بالجنة).

وعن عقبة بن عروة رضي الله عنه قال: لم يوجد جسد عامر بن فهيرة، يرون أنّ الملائكة عليهم السلام قد وارته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: انّ الملائكة وارت جثته وأنزل عليين.

فرضي الله عن عامر  وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

2- عاصم بن ثابت رضي الله عنه

     حمت جثته الدبابير من بطش المشركين

هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه كان أحد المشركين الذي قاتل الملمين في غزوة بدرالى جانب المشركين، ومنذ أن أسلم أقسم بألا ينزل في ذمة مشرك بعد اليوم، وكان قد عاهد الله تبارك وتعالى بألا يمسّ مشركا أو يمكّن مشركا من مسّه.

 وذات يوم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية وأمّره على مجموعة من المقاتلين ليكون أميرا عليهم، وبعدما استشهد وعلمت قريش بمقتله أرسلوا من يأتي بشيء من جسده، وولكن لأنه عاهد الله تعالى عهد صدق بألا يمسّ مشركا أو يمسّه مشرك، وتبريرا لقسمه فقد حماه الله تعالى من المشركين بأن بعث عليه مثل الظلة أسرابا من الدبابير تطير في المكان المسجى فيه جثته الطاهرة، فطارت في وجوه القوم المشركين حتى حالت بين جثمانه رضي الله عنه وبين المشركين لعنهم الله كي لا يقطعوا رأسه أو يأخذوا  شيئا من جسده الطاهر.

فرضي الله عن عاصم وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

  3- عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه

                  ابن أكرم العرب

هو ابن حاتم الطائي أكرم العرب في ذلك الزمان، وهل يخفى على أحد كرم أبيه؟ وكما يقولون فرخ البط أو الوز عوّام فيقد توارث هذه الخصلة الحميدة من أبيه ونماها بعدما شرح الله صدره للاسلام ليكون واحدا من الأجواد.

اسلامه رضي الله عنه

 كان رضي الله عنه قد تنصّر في الجاهلية وأسر جماعة من قومه وكانت أخته من بينهم، ولما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم هرب الى الشام الى ملوك قيصر والروم، ثم منّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها من فضل الله، وكانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم سببا في هدايته حيث جعلهتها هذه المكرمة النبوية ترجع الى أخيها لتحثه وترغبه بالاسلام وفي القدوم الى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه رضي الله عنه توارث الكرم عن أبيه فقد شرح الله صدره للاسلام بمكرمة النبي صلى الله عليه وسلم لأخته فقدم المدينة على أثرها وأشهر اسلامه، وخير من يروي لنا قصة اسلامه هو عدي الطائي

لما بلغني خروج (بعثة) رسول الله صلى الله عليه وسلم، كرهت خروجه كراهة شديدة، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم، فكرهت ذلك أشد من كراهتي لخروجه، فقلت: والله لولا أتيت هذا الرجل (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم) وان كان كاذبا لم يضرني، وان كان صادقا علمت، فلما قدمت اليه قال الناس: عدي بن حاتم ! عدي بن حاتم! فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا عدي بن حاتم! أسلم تسلم..أسلم تسلم...أسلم تسلم، فقلت له: اني على دين، فقال: أنا أعلم بدينك منك، أليس دينك من الركوسية (دين النصارى والصابئين) وأنت تأكل مرباع قومك (ربع الغنيمة) قلت: هو ما تقول، أتعلم كل هذا عني؟ فقال: أما اني أعلم الذي يمنعك من الاسلام، تقول: انما أتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ قلت: سمعت به، ولكني لم أره، قال: والذي نفسي بيده ليتمنّ هذا الأمر حتى تخرج الظعينة (المراة) من الحيرة حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد، وليفتحنّ كنوز كسرى بن هرمز، قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: نعم! كسرى بن هرمز، وليذلنّ المال حتى لا يقبله أحد.

يقول عدي رضي الله عنه: لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فها هي الظعينة تأتي من الحيرة وتطوف في البيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكوننّ الثالثة مادام صلى الله عليه وسلم قد قالها.

وفاته رضي الله عنه

وهل يخفى على أحد كرم أبيه حاتم الطائي؟ فهو أمير بن أمير في الكرم ومن الأجواد في الجاهلية واستثمر هذا الكرم في الاسلام ليجعله واحدا من الأبطال المرموقين في حروب الردة ، وشهد موقعة صفين وفيها فقد عينه، ومت في الكوفة سنة 61 هجرية رضي الله عنه.

فرضي عن عدي وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

4- عمران بن الحصين رضي الله عنهما

     شبيه الملائكة عليهم السلام بعبادته

هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه كان قد أبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما لثم (أي قبّل) عمران رأس ابيه ويديه ورجليه فرحا باسلام والده، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يومها : بكيت من صنع عمران

هذا الصحابي الجليل صورة رضيّة من صور الصدق والزهد والورع والتقوى والتعفف والتفاني وحب الله وطاعته، ورجلا تتوافر به كل هذه المزايا فانه حتما يكون انسانا فاضلا.

 خشيته رضي الله عنه

لقد كان رضي الله عنه من شدة خشيته وخوفه من الله تبارك وتعالى يقول: يا ليتني كنت رمادا تذروه الرياح.

وعمران رضي الله عنه من الأتقياء الورعين الذين لم يكن خوفهم من الله تعالى بسبب ذنوب ارتكبوه، وانما من الذين كانت خشيتهم من الله تبارك وتعالى اجلالا لعظمته وربوبيته وجلاله وعظيم سلطانه، ويذكرني خشية هذا الصحابي برابعة العدوية رحمها الله وعبوديتها لله تعالى وزهدها وورعه، فجمعنا اطلاقا نعبد الله وننتهي عن نواهيه ونأتمر بأوامره طعما في الجنة وخوفا من النار ولكن رابعة العدوية رحمها الله لم تكن تعبد الله رغبة في الجنة أو خوفا من النار بل كانت تعبده لعظمته وجلالته وربوبيته لأنه تبارك وتعالى يستحق العبادة، وهنا يحضرني المقام لأذكر مناجاة واحدة من مناجاتها الشهيرة فتقول:

الهي! ان كنت أعبدك شوقا الى الجنة فاحرمني منه، وان كنت أعبدك خوفا من النار فاحرقني به، وان كنت أعبدك لأنك الله فلا تحرمني رؤية وجهك الكريم.

مناجاة صادقة خالية من ذرة نفاق، وعابدة بهذا الخلق والاخلاص عسى الله أن يرضيها ويدخلها في مستقر رحمته في عباده الصالحين جعلنا الله عزوجل منهم.

ان هذه الشعلة المباركة ولادراكها بحقيقة عجزها عن شكرالرحمن وحسن عبادته، فهي دوما تشعر بالتقصير تجاه خالقها ومولاها وولي نعمتها تبارك وتعالى وشعلة مباركة من هذا الطراز من العبادة الخالصة لله تعالى حتما قلما يكون لها ذنوب، وان وجدت فستكون ممّن قال فيهم الله عزوجل: واذا مرّوا باللغو مروا كراما.

ذات يوم سمع الصحابة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! مالنا اذا كنا عندك رقت قلوبن، وزهدنا دنيان، وكأننا نرى الآخرة رأي العين، حتى اذا خرجنا من عندك ولقينا أهلنا وأولادنا أنكرنا أنفسنا؟ فاجابهم عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده لو تداومون على حالكم عندي لصافحتكم الملائكة عيان، ولكن ساعة وساعة.

وما أن سمع عمران رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر مصافحة  الملائمة عليهم السلام حتى اشتعلت أشواقه لتحقيق هذا الهدف، وكأنما آلى على نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته، ولم تقنع نفسه بأن يحيا ساعة وساعة، بل أراد أن تكون حياته كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لله رب العالمين.

لقد شغلته العبادة واستوعبته حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا التي نعيش فوق أرضها وبين ناسه، بل صار وكأنه يحيا بين الملائكة يحادثونهم ويحادثونه، يصافحهم ويصافحونه.

 موقفه من الفتنة رضي الله عنه

ولما وقع النزاع الكبير بين علي ومعاوية رضي الله عنهم، لم يقف رضي الله عنه موقف الحياد فحسب، بل راح يحرّض المسلمين بعدم الاشتراك في تلك الحرب، وراح يقول: لأن أرعى أعنز في رأس جبل حتى يدركني الموت أحبّ اليّ من أرمي في أحد الفريقين بسهم أخطأ أم أصاب، وكان يوصي كل من يلقاه من المسلمين أن الزم مسجدك، فان دخل عليك مسجدك  فالزم بيتك، فان دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فاقتله، من منطلق قوله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون ماله فهو شهيد.

لقد حقق ايمان عمران رضي الله عنه اعظم نجاح حين ابتلاه الله تعالى بمرض لازمه 30 عام، فصبر وما ضجر منه، ولا قال يوما: أفّ، بل كان مثابرا على عبادة الله قائما وقاعدا وراقد، وكانت وصيته لأهله حين ادركه الموت: اذا رجعتم من دفني فانحروا وأطعموا.

نعم! انّ موت مؤمن كعمران ليس موت، انما هو عرسا مجيد، عرسا تزف فيه روحا عالية مطمئنة، راضية مرضية الى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.

فرضي الله عن عمران ووصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

5- عمير بن سعد القاريء رضي الله عنهما

      رجل وفت أذنه وصدقه ربه عزوجل

اذا ذكرت عمير بن سعد يجب أن تذكر سعيد بن عامر رضي الله عنهم، ذلك أنهما يسيران على خطى واحدة ومبدأ واحد، ولشدة ورعه وتقواه وخشيته من الله عزوجل فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يلقبونه بنسيج الأمة.

 انّ حياة هذا الصحابي الجليل كانت تعتمد هدفين لا ثالث لهم، اما جهاد في سبيل الله، واما عاكف على نفسه متبتل أواب وعابد مقيم في محرابه، وقد استشهد رضي الله عنه في موقعة القادسية.

ذات يوم سمع عمير صاحبة جلاس بن سويد بن الصامت يقول: لئن كان هذا الرجل (يقصد النبي صلى الله عليه وسلم) صادقا لنحن شر من الحمر، وكان جلاس من الذين دخلوا الاسلام رهب، وما أن سمعه عمير يقول مثل هذا حتى ارتعدت فرائصه وحار أمره ماذا يفعل! أيبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمع أم يكتم الأمر وكأنه لا يعنيه؟ من منطلق أمثال العصر الحديث وأنا مالي! فخار يكسّر بعضه! ألسنا نقول كلاما كهذا عندما نسمع شيئا ونكتمه أو لا نريد الخوض فيه لكيلا نخسر الفريقين أو أحدهما؟ الا أنّ صحابة النبي صلى الله عليه وسلم والذين تربوا في مدرسة النبوة لا يستطيعون أن يقولون كلاما كهذ، لا يستطيعون أن يقولون كما نحن نقول، ولا يستطيعون أن يقفوا موقفا محايد، هكذا رباهم النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا تعلموا منه أن يقولوا الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، وعلى الفور

تصرف عمير رضي الله عنه تصرف رجل قوي وكمؤمن تقي، وذهب الى جلاس أولا كي يسحب منه تراجعا عما قال فيتوب الى الله تعالى ويتسغفره ، وعندها لا داعي لأن يخبر رسول الله  صلى الله عليه وسلم بالمر فيكون قد ستر عليه،  ومن أن قابله حتى قال له: والله انك لأحبّ الناس اليّ وأحسنهم عندي يد، وأعزّهم عليّ أن يصيبه مكروه، ولقد قلت الآن مقالتك التي قلت، ولو أذعتها عنك لآذتك، وان صمت عنها ليهلكنّ ديني، وانّ حق الدين الوفاء  واني لمبلغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

الا أنّ جلاس أخذته العزّة بالاثم ولم تتحرك شفتاه بكلمة اسف أو ندم مما بدر منه وغادره عمير رضي الله عنه وهو يقول: لأبلغنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل وحي السماء يشركني باثمك.

 وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب جلاس فأنكر وحلف بالله أنّ عمير كاب، وينزل القرآن الكريم ليفصل بين الحق والباطل بآيات بيّنات تفضح كذب وافتراء جلاس على عمير رضي الله عنه بقوله تبارك وتعالى: يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد اسلامهم وهمو بما لم ينالوا وما نقموا الا أن أغناهم الله ورسوله من فضله، فان يتوبوا خيرا لهم، وان يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من وليّ ولا نصير.

عند هذه الآية الكريمة لم يجد جلاس مفرا من الاعتراف بمقولته، واعتذر عن خطئه، وكان تصرف عمير رضي الله عنه خير وبركة على جلاس الذي تاب وحسن اسلامه، ثمّ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم باذن عمير رضي الله عنه قائلا: يا غلام وفت أذنك وصدقك ربك.

العظمة في أبهى معانيها

انّ الصورة التي سأسوقها اليكم ليست سينارويو أرسمه، ولا حوارا أبتدعه، وانما هي صورة حيّة حدثت أحداثها في المدينة عاصمة الاسلام، بين عملاق الاسلام عمر بن الخطاب ونسيج الأمة عمير بن سعد رضي الله عنهم، في أيام خالدة كان الاسلام يحوي في جوفه مسلمون حقيقيون.

انّ هذا الصحابي الأواب والعابد هو نسخة من الصحابي سعيد بن عامر رضي الله عنهما وفي كل مسلك من مسالك الحياة.

ان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يختار ولاته وأمراءه على البلاد اختيار، بأن يكون مقبلا على الآخرة زاهدا في الدنيا تقيا ورع، لا يخاف في الله لومة لائم، أمينا زاهدا صادق، وفوق كل ذلك كان يبحث عن الرجل الذي يهرب من الامارة والولاية، وتقع عينه على عمير بن سعد رضي الله عنه ويعرض عليه ولاية حمص، حاول عمير رضي الله عنه أن يخلص نفسه من الأمارة بشتى الوسائل والحيل الا أنه أمام الفاروق رضي الله عنه ألزمه بها الزاما وفرضها عليه فرض، وفي حمص أمضى عاما كاملا لم يصل الى المدينة منه أي خراج، بل ولم يبلغ أمير المؤمنين منه أيّ كتاب، ونادى عمر رضي الله عنه كاتبه أن ائتوني بعمير، وجاءه الفارس مترجلا أشعثا أغبرا تغشاه وعثاء السفر، تكاد خطاه تقتلع من الأرض اقتلاعا من طول السفر، ومن كثرة ما لاقى من عناء وما بذل من جهد، وعلى كتفه اليمنى جراب وقصعة، وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء، دخل الى مجلس عمر رضي الله عنهما في خطا وئيدة ثم طرح السلام عليه، السلام عليك يا أمير المؤمنين! ويرد عمر رضي الله عنه التحية بأحسن منها وقد تألم لما رأى  عليه من جهد واعياء ليدور بينهما الحوار التالي:

ما شانك يا عمير؟

شأني ما ترى يا أمير المؤمنين، ألست تراني صحيح البدن،  طاهر الدم، معي الدنيا كلها أجرها بقرنيها؟

وما الذي معك؟

جرابي أحمل به زادي، وقصعتي آكل منه، وادواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعصاي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا ان عرض، فو الله ما الدنيا الا تبع لمتاعي.

أجئت ماشيا؟

نعم يا أمير المؤمنين.

أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها؟

 هم لم يفعلوا وأنا لم أسألهم.

ماذا عملت فيما عهدنا اليك به؟

أتيت البلد الذي بعثتني اليه، فجمعت صلحاء أهله ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم حتى اذا جمعوها وضعوها في مواضعه، ولو بقي منها شيء جئتك به.

فما جئتنا بشيء؟

لا.

فصاح عمر رضي الله عنه سعيدا مغتبطا قائلا: جدّدوا لعمير عهدا.

 لقد كان عمر رضي الله عنه يتمنى ويقول: وددت لو أنّ لي رجالا مثل عمير أستعين بهم على أعمال المسلمين.

فأيّ طراز من الرجال كان أولئك الأفذاذ الشاهقون؟ ذلك أنّ عميرا رضي الله عنه كان قد تفوق على كل ضعف انساني يسببه وجودنا المادي وحياتنا الشائكة.

انّ عمير رضي الله عنه خلال امارته على حمص قد رسم واجبات الحاكم المسلم في كلمات فقال رضي الله عنه: انّ الاسلام حائط منيع وباب وثيق، فحائطه العدل، وبابه الحق، فاذا نقض الحائط ، وحطم الباب، استفتح الاسلام، ولا يزال الاسلام بخير ومنعة ما اشتد السلطان، وليست شدته قتلا بالسيف أو ضربا بالسوط، وانما قضاء بالحق وأخذا بالعدل.

والآن ونحن نودع عمير، نحيّي من رباه امام المتقين المصطفى ذو الخلق الرفيع محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم عميد جامعة العلوم الاسلامية.

  فرضي الله عن عمير بن سعد وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 6- عوف بن مالك رضي الله عنه

        كليم الأسد

هذا الصحابي الجليل كان قد كلم أحد الأسود، يقول رضي الله عنه: كنت قائلا (أي في قيلولة) في كنيسة اريحا (أقدم مدينة في التاريخ بالقرب من القدس) وهي يومئذ

مسجد يصلى فيه، فانتبهت من نومي، فاذا معي في البيت أسد يمشي اليّ، فقمت ففزعت الى سلاحي، فقال لي: صه! انما أرسلني الله برسالة لتبلغه، فقلت له: من أرسلك؟ فقال: الله أرسلني اليك لتبلغ معاوية الرحّال أنه من أهل الجنة، فقلت: من معاوية ؟ قال: معاوية بن أبي سفيان.

فرضي الله عن عوف وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 7- عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما

          قاتل العقل المدبر لمسيلمة الكذاب

عندما وقف عبد الرحمن يقاتل المسلمين مع المشركين في غزوة بدر لم يراعي للبر مراعاة، ووقف ضد أبيه في ساحة المعركة، ولأن الاسلام لا يعترف بالحميّة الضالة فقد نهض أبو بكر رضي الله عنه ليبارز ابنه لولا أن منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمسك به وحال بينهما.

وما كان سيفعله أبو بكر فعله أبو عبيدة بن الجراح عندما قتل أباه في بدر، وفعله سعد بن أبي وقاص عندما قال لأمه: لو كان لك مائة نفس وخرجت واحدة تلو الأخرى على أن أرحع عن ديني لن أرجع، وفعله الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول زعيم الشرك والنفاق عندما هدر للنبي صلى الله عليه وسلم دم أبيه وقال: ائذن لي يا رسول الله بقتل أبي، فاني سمعت أنك أهدرت دمه، واني لأخشى ان قتله غيري أن تثور بي الحميّة بالثأر فأقتله، فأكون قد قتلت مسلما بكافر، وكما قلت في مناسبة أخرى بأنّ زمن الصحابة رضوان الله عليهم لن يتكرر بهذا العنفوان وبهذه الغيرة على دين الله عزوجل والنصرة لدينه تبارك وتعالى.

 ان هؤلاء الصحابة الأفذاذ وغيرهم رضي الله عنهم جميعا ما نهلوا هذه المروءة والاخلاص الا من معلمهم وقائدهم ومرشدهم ونبيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال لعمه أبو طالب: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته او اهلك دونه.

نعم! اذا صلح الرأس صلح الجسد كله، واذا استقام العود استقام الغصن، ولأن القدوة قدوة وصفوة صفوة خلق الله عزجل الى أن تقوم السعة ، فقد تمسكوا بالقدوة وصفوة الصفوة تمسك القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار.

  شدته وصلابته رضي الله عنه

ان عبد الرحمن رضي الله عنه كان رجل المبادىء والمثل في جاهليته وبعد اسلامه، فمن يقف يتحدى أبوه فهو حتما رجلا عنيدا وشديدا وصلب، لقد كان يعتقد أنه يدافع عن الحق، لأن من يتمسك بمبدأ واعتقاد، يعتقد أنه على الحق وما دونه على ضلالة، ولأن عبد الرحمن كان اعتقاده هكذا فقد وقف في غزوة بدر يدعو اليه من المسلمين من يبارزه وبقي واقفا صلبا على موقفه ضد الاسلام ولم يغريه اسلام أبيه أبدا باتباعه.

اسلامه رضي الله عنه

 لا تهدي من أحببت انّ الله يهدي من يشاء

آية كريمة أنزلها المولى عزوجل على نبيّه صلى الله عليه وسلم ليسلي بها فؤاد حبيبه عندما لم يستجب عمه أبو طالب لدعوته صلى الله عليه وسلم، وان لم تكن قد أصابت أبو طالب، فقد أصابت الكثير غيره ولا زالت تصيب، وكان عبد الرحمن رضي الله عنه واحدا من هؤلاء، وما منع النبي صلى الله عليه وسلم لأبو بكر من مبارزة ابنه في المعركة الا احدى النعم الالهية التي منّ الله تبارك وتعالى فيها على أبو بكر وابنه رضي الله عنهما.

 وحين دقت ساعة القدر معلنة ميلادا جديدا لعبد من عباد الرحمن، أضاءت مصابيح الهدى نفس عبد الرحمن رضي الله عنه وجعلته يرى الله الواحد القهار في كل ما حوله من كائنات وأشياء، وغرست هداية الله ظلها في نفسه وروعه، فاذا هو من المسلمين، ومن فوره نهض مسافرا الى المدينة، الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما رآه أبوه رضي الله عنهما تهلل وجهه بشر، وتألق غبطة وهو يبصر ولده يبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكما كان في كفره رجل، فها هو اليوم يسلم اسلاما الرجال عن اقتناع تام.

يوم اليمامة

لقد كان له يوم اليمامة بلاء عظيم، وكان لثباته واستبساله دورا كبيرا في رجحان كفة الحرب لصالح المسلمين، فهو الذي أجهز على محكم بن الطفيل العقل المدبر لمسيلمة الكذاب، بل بقوته وصلفه كان يحمي أهم مواطن الحصن التي تحصّن فيها جيش الردة، وما أن سقط محكم بن الطفيل حامي الحصن قتيلا حتى فتح الحصن أمام المسلمين فتدفقوا منه أفواجا.

موقفه من الأمراء رضي الله عنهما

ويوم أن قرر معاوية رضي الله عنه أن يأخذ البيعة ليزيد بحد السيف كتب الى مروان عامله بالمدينة كتاب البيعة، وأمره أن يقرؤه على المسلمين في المسجد، وفعل مروان ما طلب منه، ولم يكد يفرغ من قراءته حتى نهض عبد الرحمن رضي الله عنه ليحوّل الوجوم الذي ساد المسجد الى احتجاج مسموع ومقاومة صادقة فقال: والله ما الأخيار أردتم لأمة محمد (صلى الله عليه وسلم) ولكنكم تريدون أن تجعلونها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل.

هكذا رأى عبد الرحمن رضي الله عنه حين حوّل معاوية الحكم في الاسلام من شورى الى قيصرية وكسروية تفرض على الأمة بحكم الميلاد والمصادفة قيصرا وراء قيصر، وما أشبه اليوم بالبارحة، وأيده فريق من المسلمين على رأسهم الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم،  وفيما بعد طرأت ظروف قاهرة اضطرت كل من وافقوه الى الصمت تجاه هذه البيعة التي قرر معاوية رضي الله عنه أن يأخذها بحد السيف، وبقي ابن الصديق رضي الله عنهما وحده في الميدان يجهر ببطلان هذه البيعة، وبعث اليه معاوية برسول يحمل 100 ألف درهم كرشوة يشتري بها صمته، فألقاها ابن الصديق رضي الله عنهما بعيدا وقال لرسوله: ارجع اليه وقل له: ان عبد الرحمن لا يبيع دينه بدنياه.

وفاته رضي الله عنه

ولما علم عبد الرحمن رضي الله عنه أنّ معاوية يشدّ رحاله الى المدينة غادرها من فوره الى مكة كي لا يلتقيه، وكفاه الله فتنة هذا الموقف وسوء عاقبته، ولم يكد يصل مشارف مكة ويستقر فيها حتى فاضت روحه الطاهرة، فحمله الرجال على الأعناق الى أعالي مكة، حيث دفن هناك تحت ثرى الأرض التي شهدت جاهليته واسلامه، اسلام رجل صادق شجاع.

فرضي الله ابن الصدّيق  وصلى الله وسلم وبارك على من رباهما.

8- عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول رضي الله عنه

         المؤمن الصادق ابن زعيم المنافقين

انّ قصة هذا الصحابي الجليل تذكرني تماما بموقف أبو بكر الصديق من ابنه عبد الرحمن عندما حاول أبو بكر قتله في معركة بدر لولا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه، وبموقف أبو عبيدة بن الجراح في معركة بدرعندما كان يتحيّن أبوه الفرصة ليقتله وأبو عبيدة يتحاشى أبوه، ولكن عندما لم يجد مفرا وبدا من قتل أبيه قتله لينزل به قرآنا يتلى الى يوم القيامة يحييه فيه الله عزوجل على صنيعه، وبموقف سعد ن أبي وقاص من أمه التي مرضت لاسلامه وعندما أخبروه أنها تنازع الموت، ذهب اليها فقط من باب البر ليلقي عليها نظرة الوداع وهناك أخبرته ان رجع عن دينه ستكون هي بخير فقال لها: أماه! والله لو كان لك مائة نفس وخرجت نفسا نفسا على أن أترك هذا الأمر ما تركته فعيشي أو موتي.

ولنعد الى بطل قصتنا الصحابي الجليل ابن رأس الكفر والنفاق عبد الله بن أبي بن سلول ملفق حادثة الافك التي اتهمت بها الطاهرة المطهرة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنه، والذي تطاول وهو وأصحابه بلسانه على النبي صلى الله عليه وسلم بكلام أمام زيد بن أرقم رضي الله عنه ، وعندما نقل زيد مقولتهم للنبي صلى الله عليه وسلم حلفواأنهم  قولا كهذ، ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ليس الا بشرا مثلنا فهو صلى الله عليه وسلم  لم يكشف نفاقهم الا بعد أن نزل فيهم قرآنا يتلى الى يوم القيامة بسورة كاملة في القرآن الكريم سميبت بسورة المنافقون، وفيها براءة زيد رضي الله عنه ، ليعلن النبي صلى الله عليه وسلم البشرى ويزفها الى زيد رضي الله عنه قائلا له: انّ الله صدقك،  ولندع زيد بن أرقم  رضي الله عنه يحدثنا بنفسه عن هذه الحادثة فيقول:

خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبد الله بن أبيّ بن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، ولئن رجعنا الى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل اليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته، فأرسل الى عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه، فحلفوا بالله ما قالو، فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدّقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وبقيت جالسا في البيت حتى اذا نزلت براءتي من السماء بقوله تعالى: اذا جاءك المنافقون، بعث اليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقراها عليّ، ثم قال عليه الصلاة والسلام: انّ الله صدقك.

موقفه من أبيه

لقد وقف هذا الصحابي الجليل المؤمن الصادق مع الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وقفة شجاعة قلّ من يقفها في هذا الزمن الذي نعيشه بكل متناقضاته وبعده الجذري عن حدود الدين الذي ارتضاه الله لعباده، لقد وقف موقفين شجاعين الأول منهما يحدثنا به عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه فيقول:

 انّ الناس لما قفلوا راجعين الى المدينة، وقف عبد الله بن عبد الله بن سلول على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرّون عليه، فلماجاء أبوه قال له: وراءك، فقال له أبوه: ما لك ويلك؟ فقال له: والله لا تجوز من هنا ( لا تمر من هنا) حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا اليه ما فعله معه ابنه، فقال عبد الله: يا رسول الله! والله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما وقد أذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجز الآن  (فمر الآن).

والموقف الثاني يحدثنا به عاصم بن عمر بن قتادة رضي الله عنه فيقول: 

لما عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول بلغه ما كان من أمر أبيه، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! انه بلغني أنك تريد قتل أبي عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه، فان كنت فاعلا فمرني به، فانا أحمل اليك رأسه، فو الله ما علمت الخزرج من رجل أبرّ بوالده مني، واني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر الى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال

مرض ابن سلول

لما ثقل المرض واشتد على ابن سلول طلب من ابنه عبد الله أن يذهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعوه لزيارته، ولأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عبد الله بأن يحسن صحبة والده مادام حيّا فقد دفعه ذلك لأن ينطلق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: انّ أبي يحتضر، فأحبّ أن تشهده وتصلي عليه، وما أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ابن سلول حتى بادره النبي صلى الله عليه وسلم بالقول: أهلكك حبّ يهود، فقال: انما  أرسلت اليك لتستغفر لي ولم أرسل اليك لتؤنبني.

وفاة ابن سلول 

لما توفي ابن سلول

بعدما توفي ابن سلول جاء لبنه عبد الله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله يعطيه قميصه ليكفن فيه أباه، ليس لأنّ ابن سلول لا يملك كفنا ولكن طمعا في أن يتجاوز الله عنه على اعتبار أنّ كفنه هو قميص النبي صلى الله عليه وسلم، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما طلب منه أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم رغبته وقام على قبره أيض، عندا أمسك عمر رضي الله عنه بثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا رسول تصلي عليه وقد نهاك الله أن تستغفر له؟ أجابه النبي صلى الله عليه وسلم: انما خيّرني ربي فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، ان تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم، وسأزيد على السبعين، فقال عمر رضي الله عنه: انه منافق، وبعد أن فرغ النبي صلى الله عليه وسلم عليه من الصلاة كان وحي السماء جبريل عليه السلام يتنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله عزوجل: ولا تصلّ على أحد مات منهم أبدا ولا تقم على قبره،  انهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا وهم فاسقون، وبعد نزول هذه الآية امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار لأحد منهم والصلاة عليه.

وان كان هذا الحكم اقترن بابن سلول فهو حكم عام يشمل كل منافق، ولكن أنى لنا أن ندرك المنافق من عدمه وعصر النبوة والوحي انتهى منذ ما يزيد عن 14 قرنا؟

 فرضي الله عن عبد الله الصحابي الجليل وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

9- عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه

            حق على كلّ مسلم أن يقبّل رأسه

 هو صحابي جليل وكوكبة من كواكب الاسلام الذين آمنوا برسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصدّقوه، ولقد وقف موقفا شجاعا مع ملك الروم جعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يقول لأصحابه: حقا على كل مسلم أن يقبّل راس عبد الله وأنا أبدأ.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم في سورة النحل: يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

ونفس المعنى ورد في في سورة الصف بقول عزوجل يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره  الله ولو كره الكافرون

ومعنى كلمة الكافرون الوارد ذكرهم على صفحات القرآن الكريم ، دائما يشمل الكفرة الملحدون والمكذبون بآيات الله وريله وكتبه وما جاؤوا من ثوابت وحقائق أقرتها الشرائع السماوية، وأهل الكتاب لافتراءهم على الله تعالى واشراكهم بالله تعالى أن قالت اليهود عزير الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، سبحانه وتعالى عما يشركون، بل هو فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولو كان هناك ألهة مع الله لفسد الكون برمته.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد وجّه جيشا الى بلاد الروم، وكان عبد الله رضي الله عنه واحدا من جيش الاسلام، وعندما أسره الروم ذهبوا به الى ملكهم، وما أن قالوا له: انّ هذا من أصحاب محمد(صلى الله عليه وسلم) حتى بدأ ملك الروم يراوغه ليصده عن دين الله عزوجل، فدار بينهما الحوار التالي:

هل لك أن تنصّر وأشركك في ملكي وسلطاني وأزوجّك ابنتي؟

لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت وما رجعت.

اذا أقتلك!

أنت وذاك.

فأمر ملك الروم بصلبه وقال للرماة: ارموه قريبا من يديه، وقريبا من رجليه، لعله يرتعد فيقبل ما عرضته عليه، فلما فعلوا ما أمرهم به ملكهم لم يجدوه رضي الله عنه الا ويزداد ايمانا على ايمانه، واصرارا على اصراره، وتحديا على تحديه لهم، فأمر الملك به فأنزل، ودعا بقدر من ماء يغلي، وجاء بأسيرين من المسلمين فرمى أحدهما في الماء المغلي، ثم قال لعبد الله رضي الله عنه: أرأيت كيف العذاب يكون؟ أدخل في النصرانية وأنا ارفع عنك العذاب، والا جعلتك كهذا.

افعل بي ما تريد ولن أرجع عن ديني.

وما أن أمر به الملك أن يلقى في القدر الذي يفور من الغليان حتى بكى عبد الله رضي الله عنه، فاعتقد ملك الروم أنه جزع وخاف من العذاب، فأمر رجاله أن يردوه اليه ففعلو، فعرض عليه النصرانية فأبى، فاستعجب من رفضه ثم قال له: اذن! مالذي أبكاك وأنت لم تلق في الماء بعد؟

أبكاني أني قلت في نفسي تلقى الساعة في هذا القدر فتذهب (فتموت) وأنا كنت أشتهي أن يكون لي بعدد كل شعرة من جسدي روح تلقى في النار في سبيل الله.

وعندما سمع الملك اجابته تلك، أيقن تماما أنّ العذاب لن يجدي معه، ولن يردّه عن دينه، عندها قال له: هل أن تقبّل رأسي وأخلي سبيلك؟

أفعل ذلك فيما لو فككت أسري وأسرجميع المسلمين.

فأذعن له الملك وقال: وعن جميع أسرى المسلمين.

فقبّل عبد الله رأسه وفكّ نفسه وسائر أسارى المسلمين وعاد بهم الى المدينة، وعندما علم عمر رضي الله عنه بما صنع عبد الله، سرّ لصنيعه وحيّاه، ثمّ قال:

 حق على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة،  وأنا أبد، فقام فقبّل رأسه رضي الله عنهما وعن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين، وصلى الله وسلم وبارك على من رباهم.

 

10- عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما

      أول مولود في الهجرة- وابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم

هو ابن الزبير بن العوّام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم.

ولادته رضي الله عنه

حين هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة كان رضي الله عنه لا زال جنينا في بطن أمه، وأسماء رضي الله عنها تقطع الفيافي الللاهبة مغادرة مكة الى المدينة للحاق بركب المهاجرين.

هكذا قدّر له رضي الله عنه أن يهاجر مع المهاجرين وهو لا زال جنينا بعد.

وما كادت أمه أسماء رضي الله عنها تبلغ قباء على مشارف المدينة حتى جاءها المخاض، لينزل المهاجر الجنين الى أرض المدينة في نفس الوقت الذي كان ينزلها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم مهاجرين اليها.

وحمل ابن الزبير رضي الله عنهما لقب أول مولود في الهجرة، وكان أول شيء دخل جوفه ريق النبي عليه الصلاة والسلام الطاهر، فكيف لمولود كهذا بألا يفتح الله عزوجل بصيرته وقد امتزج دمه بلعاب النبي صلى الله عليه وسلم الطاهر؟ لأجل ذلك كان شبابه عفة وطهرا وبطولة يفوق الخيال، وغدا أحد رواة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ويوم أن فتح المسلمون افريقيا والأندلس والقسطنطينية كان رضي الله عنه من أبطال الفتوح، وعلى يديه قتل ملك البربر قائد الكفر والطغيان في معركة افريقيا وكان ذلك في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه،  وابن الزبير رضي الله عنهما  يومها لم يكن يتجاوز ال 27 عاما من عمره المبارك.

مناقبه رضي الله عنه:

لقد طلب عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين رضي الله عنه من ابن أبي بلتعة أن يصف له عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقال:

والله ما رأيت نفسا ركبت بين جنبيه مثل نفسه، وكان اذا ركع أو سجد، تقف العصافير فوق ظهره وكاهله، واذا دخل في الصلاة فيخرج من كل شيء اليه، ومن طول ركوعه وسجوده لا تحسبه الا جدارا أو ثوبا مطروح، ولقد مرّت قذيفة منجنيق من بين لحيته وصدره وهو يصلي، فو الله ما أحسّ به، ولا اهتز له، ولا قطع قراءته من أجله، ولا تعجّل في صلاته.

ان الأنباء الصادقة التي يرويها التاريخ عن عبادته رضي الله عنه لشيء يشبه الأساطير، على كافة المستويات، ففي سهره نجده طوال العمر قانتا عابد،وفي ايمانه الوثيق بالله وخشيته حدّث ولا حرج، لقد كان نسيجا وحده.

سئل عنه ابن عباس رضي الله عنه فقال:

كان لكتاب الله تالي، ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم متبع، ولله صائما وقانتا وعابد، هو ابن الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، وخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه، وزوج خالته المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا يجهل حقه الا أعماه الله تعالى.

صراحته ووضوحه رضي الله عنه

كان واضحا وشريف، قويا وصريح، مستقيما لا يخاف في الله لومة لائم، وعلى استعداد أن يدفع حياته كلها ثمنا لصراحته.

لقد كان في صموده في وجه معاوية وابنه يزيد بطولة خارقة بحد ذاتها.

لقد كان يرى أنّ يزيد بن معاوية آخررجل يصلح لأن يكون خليفة للمسلمين، لفساده في كل شيء، ولم تكن له فضيلة واحدة تشفع لجرائمه وآثامه التي رواها التاريخ، وعندما سئل عن امتناعه عن مبايعة يزيد كخليفة للمسلمين، قالها  صراحة: ليس مثلي من يبايع سكيرا أبدا.

وظل ابن الزبير رضي الله عنه أميرا للمؤمنين ويتخذ من مكة عاصمة لخلافته، باسطا حكمه على الحجاز واليمن والبصرة والكوفة وخراسان والشام كلها ما عدا دمشق التي كانت تحت قبضة الأمويين.

وبقي الأمويين يتربصون لابن الزبير رضي الله عنه، ولم  يهدأ لهم بال ولم يقر لهم قرار حتى ينالوا منه، فاستعان عبد الملك بن مروان على ابن الزبير رضي الله عنه بأشرس وأشقى بني آدم قسوة وجورا واجراما وهو الحجاج بن يوسف الثقفي.

 ذهب الحجاج على رأس جيشه ومرتزقته لغزو مكة عاصمة ابن الزبيررضي الله عنه، وحاصروها ستة أشهر، منعوا عن أهلها الماء والغذاء لاجبارهم على التخلي عن ابن الزبير رضي الله عنه، وتركه وحيدا بلا جيش ولا أعوان، وتحت وطأة الجوع يستسلم الكثيرون ليجد ابن الزبير رضي الله عنه نفسه وحيدا أو يكاد، وراح وحده يقاتل جيش الحجاج، وهو يومئذ يناهز ال 70 عاما في شجاعة أسطورية يعجز عنها ابن العشرين عام، ولن نستطع تصوير الموقف الفذ أنذاك الا اذا أصغينا للحوارالتالي الذي دار بين ابن الزبير وبين أمه ذات النطاقين السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم والتي تقترب من سن ال 100، في تلك الساعات الأخيرة من حياة هذا البطل الذي يشهد له التاريخ بطولته وشجاعته، وأم صابرة محتسبة تقوّي من عزيمة ابنه، بضمير صاح حيّ يجعل القلب القاسي المتحجر يذرف الدمع الغزير قبل العين ويلين،  لنصائحها الغاليات لفلذة كبدها وهي تحثه بألا يموت جبان، وقلّ بل وانعدم موقفها الشجاع الصادق أنذاك في أمهات اليوم:

يا بني! أنت أعلم بنفسك ان كنت تعلم أنك على حق وتدعو الى حق،  فاصبر حتى تموت في سبيل الله، ولا تمكّن رقبتك لغلمان بني أمية، وان كنت تعلم أنك أردت الدني، فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قاتل معك.

والله يا أماه! ما أردت الدنيا يوم، ولا ركنت اليه، وما جرت (انحزت)  في حكم الله أبد، ولا ظلمت ولا غدرت.

اني لأرجو أن يكون عزائي منك حسنا أن سبقتني الى الله أو سبقتك، اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظمأه في الهواجر، وبره بأبيه وبي، اللهم اني أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين.

وتبادلا  عناق الوداع وتحيته.

ولم تمض ساعة من الزمان حتى تلقى الشهيد العظيم ضربة الموت من منجنيق الحجاج في وقت استأثر فيه الحجاج بكل ما في الأرض من حقارة ولؤم، حين فصل الحجاج رأسه عن جسده تشفيا وخسّة وحقدا قبل صلبه رضي الله عنه.

 وقالت يومها أمه رضي الله عنها وهي ترى ابنها المصلوب كالطود الشامخ ، وقفت تجاهه شامخة أبية في عزة وسؤدد، فاقترب منها الحجاج في هوان وذلة قائلا لها: يا أماه! انّ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان أوصاني بك خير، فهل لك من حاجة؟

فصاحت به قائلة: أنا لست بأم لأحد، انما انا أم المصلوب على الثنية، وما بي اليكم من حاجة، ولكني أحدثك حديث، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج من ثقيف كذاب وميير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما الميير فلا أراه الا أنت، ثم تقدّم منها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما معزّيا وداعيا اياها الى الصبر، فاجابته رضي الله عنها: وماذا يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيي بن زكريا عليهما السلام الى بغيّ من بغايا بني اسرائيل؟

يا لعظمتك يا ابنة الصديق! أهناك كلمات أروع من هذه تقال في موقف كهذا؟ انه الايمان الصادق والمدفون في جميع خلايا القلب الطاهر الذي لم يدخله شركا يوما ما ولا نفاقا على مدى المائة عام التي عاشتها هذه الصحابية الجليلة ابنة الصديق وأم البطل المصلوب وزوجة الزبير أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم.

وبعد..فهل كان يمكن لابن الزبير أن يحيا حياته دون هذا المستوى من التفوق والبطولة والصلاح، وقد رضع لبن أم من هذا الطراز الفريد والذي لن ولن يتكرر؟

فسلام الله عليك أيتها الأم الصابرة ورضي الله عنك وعن أبوك وزوجك وابنك وصلى الله وسلم وبارك على من رباكم.

11- عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري رضي الله عنه

     الشديد الحياء المنظف لشوارع المسلمين

ولا خجل من ذلك، فعندما أرسله أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الى البصرة ليكون أميرا وواليا عليه، جمع أهلها وقام فيهم خطيبا وقال: انّ أمير المؤمنين عمر

 قد بعثني اليكم أعلمكم كتابكم وسنة نبيّكم وأنظف لكم طرقكم.

هذا هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه والذي سنتناول موجز حياته المليء بالفخر والبطولة والتواضع والكفاح والجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، يرجو رحمته ومغفرته، ولا يخاف في الله لومة لائم.

ان يكون الأميرمعلما للناس، أن يكون مربيا لهم، أن يكون قائدهم ومرشدهم علىالحلوة والمرة، على البأساء والضراء، ان ينزل الى مستواهم في العيش فلا يتعالى عليهم، كل ذلك ممكن، أما ان ينظف الأمير شوارع المسلمين وطرقاتهم فهذا أمر خارق للعادة وشيء جديد، بل ومثير للدهشة والعجب، ولكن عند أبو موسى الأشعري الذي يرنو لرضا مولاه تبارك وتعالى فلا عجب، ذلك أن الايمان الذي صنع من عمر وهو أمير المؤمنين رضي الله عنه أن ينقل على ظهره شوال الطحين لأم اليتامى قادرا أن يصنع في أبو موسى أشد منه.

أبو موسى الأشعري الوالي الحاكم لأكبر امارة عربية اسلامية في ذلك الزمان ينظف شوارع المسلمين؟ اذا كان أمير المسلمين هو من سيقوم بهذه المهمة، اذن فالمنظفون ماذا سيصنعون؟ ماذا سيشتغلون؟

الأشعريين

من هو هذا العملاق الذي قال عنه الحسن البصري رحمه الله:

ما أتى اليصرة راكبا خيرا لأهلها من أبو موسى الأشعري

انه الذي غادر اليمن بلده وموطنه الى مكة بمجرد سماعه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن جلس بين يديه صلى الله عليه وسلم وتلقى منه الهدى واليقين عاد الى بلده ثانية حاملا على عاتقه الامانة التي عرضها الله تعالى على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنه، ثم عاد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اثر فراغه من خيبر، ووافق قدومه قدوم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مقبلا مع أصحابه من الحبشة، وفي هذه المرة لم يأتي أبو موسى رضي الله عنه وحده، بل جاء معه بضع وخمسون رجلا من أهل اليمن الذين لقنهم رضي الله عنه الاسلام، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوفد ب الأشعريين، ونعتهم بأنهم أرق الناس أفئدة، وكان يضرب لأصحابه المثل بهم ويقول: الأشعريين مني وأنا منهم.

شدة حياءه رضي الله عنه

كان رضي الله عنه شديد الحياء من الله تبارك وتعالى، حتى أنه كان اذا أراد أن يأوى الى النوم وفي يوم حار كان يضع على نفسه الغطاء، حياء من الله تعالى، خشية أن تتكشف عورته وهو نائم، وعن حياءه ذاك يحدثنا بنفسه فيقول:اني لأغتسل في البيت المظلم، فما أقيم صلبي حتى لآخذ ثوبي حياء من ربي عزوجل.

كان أبو موسى رضي الله عنه مزيج عجيب من صفات عظيمة، ففي ساحة الوغى تجده مقاتلا جسورا ومناضلا صلب،  وفي حالة السلم هو مسالما طيب، وديعا الى أقصى غايات الطيبة والوداعة، وهو فقيه حصيف وذكي يجيد تصويب فهمه الى مغاليق الأمور، وتألق في الافتاء تألقا كبيرا حتي قيل عنه: قضاء هذه الأمة أربعة: عمر وعلي وأبو موسى وزيد بن ثابت رضي الله عنهم جميعا.

انّ أبو موسى رضي الله عنه يتميز بمزية فريدة نعتبرها نحن هذه الأيام  بالسلبية مع أنها قمة التواضع: وهو أنه صاحب نظرة بريئة وعلى سجاياه ونواياه البريئة، بحيث من خدعه في الله انخدع له، شعاره الدائم هوالاخلاص وليكن ما يكن، وهذه المزيّة أهلته لأن يقول عنه صلى الله عليه وسلم سيد الفوارس أبو موسى.

تواضعه وخشيته

ان تواضعه وشدة خشيته من الله تبارك وتعالى صنعت منه رجلا عابدا بكاء.... أوابا... وديعا كالعصفور... يقرأ القرآن بصوت يهز أعماق من سمعه... لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب سماع صوته وهو يتغنى بالقرآن، ولجمال صوته قال عنه صلى الله عليه وسلم: لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داوود.

وكان كثيرا رضي الله عنه ما يقول لأهل القرآن: اتبعوا القرآن ولا تطمعوا أن يتبعكم القرآن.

لقد كان رضي الله عنه يختار الأيام الهواجر التي تزهق النفوس  ليصومها كي ينال ثوابها مضاعف، وعلى حد قوله: لعل ظمأ الهواجر يكون لنا ريّا يوم القيامة.

وذات وقد خرج غازيا مع أصحابه اذ سمع مناديا يقول: ان الله تعالى قضى على نفسه أنه من عطّش نفسه لله عزّ وجل في يوم حار كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة.

وكثيرا ما كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يدعوه  اليه ويسأله أن يتلو عليه من القرآن قائلا له: شوقنا الى ربنا يا أبا موسى.

موقفه من موقعة صفين رضي الله عنه

حين يكون القتال ضد الجيوش المشركة الكافرة نجده يهبّ كالاعصار الذي يجرف كل ما حوله، ولكن حين يكون القتال بين فئتين مسلمتين نجده يهرب من مواقع القتال ولا يكون له أي دور فيه، وهذا ما حدث في نزاع علي ومعاوية رضي الله عنهما.

الدعاء الذي كان ينهي به  صلاته رضي الله عنه

 اللهم أنت السلام ومنك السلام، أنت المؤمن وتحب المؤمن، وأنت الصادق وتحب الصادق، وأنت المهيمن وتحب المهيمن.

فرضي الله عنه وأرضاه وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاه.

 

12- عبد الله بن بن عباس رضي الله عنهما

       حبر هذه الأمة وترجمان القرآن الكريم

ما أحوجنا لرجل من هذا الطراز في هذا الزمن  الذي طغت فيه المادة وسمت على كل شيء حتى على نفوس البشر ودواخلهم فقطعت أرحامهم وقطعت كل سبيل.

انه عبد الله بن عباس ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن 15 عاما أي قبل رضي الله عنه أن يبلغ الحلم.

ونظرا لرجاحة عقله واستنارة قلبه فقد لقب بحبر هذه الأمة وما نال هذا اللقلب الا بدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، على الرغم من أنه لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم سوى 30 شهرا.

كان رضي الله عنه قوي الايمان بالله تبارك وتعالى، سوي الخلق، غزيز العلم، وكان رضي الله عنه قد اقتعد مكانا عاليا بين الرجال حول رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم حداثة سنه رضي الله عنه.

أمه رضي الله عنهما

أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث  رضي الله عنهنّ.

أبناءه  رضي الله عنه

 كان له من الأبناء رضي الله عنه سبعة، هم على التوالي: الفضل، محمد، عبيد الله، لبابة، أسماء، العباس،  وعلي أبو الخلفاء.

قصته مع جبريل عليه السلام

كان العباس رضي الله عنه قد لقي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أرسلت اليك ابني فوجد عندك رجلا فلم يستطع أن يكلمك، فقال لن النبي صلى الله عليه وسلم: أتدري من ذا الرجل؟ ذاك جبريل لقيني وقال لي: لن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علما.

ما لم يفهمه من القرآن الكريم

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: كل القرآن أعلمه الا ثلاثا: الرقيم، وغسلين، وحنانا.

كان رضي الله عنه أفصح الناس اذا نطق، واعلم الناس اذا تحدث، وأجمل الناس اذا شوهد.

صومه رضي الله عنه

سأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما: كيف صومك؟ أجاب: أصوم الاثنين والخميس، لأن الأعمال ترفع فيهما وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم.

ذكاؤه رضي الله عنه

لقد كان عمره رضي الله عنه 13 عاما عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد كان رضي الله عنه سريع الحفظ لأقواله عليه الصلاة والسلام، هذا عدا عن سعيه الدؤوب لطلب العلم، فقد كان يلاحق ويتابع حفظة الحديث، ليأخذ منهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حريصا جدا في ألا يعتمد مصدرا واحدا في الرواية، بل كان رضي الله عنه يسأل عن المرء الواحد ما يزيد عن الثلاثين راو للحديث كي يتحرى صدق المقولة.

هكذا كان يسأل ويسأل ويتحرى الاجابة ويتقمصها مع نفسه ويناقشها بعقل جريء حتى توافرت في شبابه الغض حكمة الشيوخ وأنّاتهم وحصافتهم، حتى أن عمر رضي الله عنه كان يحرص على مشورته في كل أمر كبير، وكان يلقبه بفتى الكهول، وكان لا يجاوز قوله.

وقال عنه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما: ما رأيت أحدا أحضر فهما ولا أكبر لبا

 ولا أكثر علما ولا أوسع حلما من ابن عباس.

وعبيد بن عتبة رضي الله عنه قال فيه: ما رأيت أحدا كان أعلم بما سبقه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أفقه رأي منه، ولا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه رضي الله عنهم ، ولا أعلم منه  بشعر ولا عربية، ولاحتى بتفسير قرآن كريم، ولا بحساب أو فريضة، لقد كان رضي الله عنه يضع برنامجا خاصا لحياته، فقد كان يخصص يوما للفقه، يجيب فيه على أي سؤال فقهي يستفسر عنه المسلمون، ويوما للتأويل، ويوما للغازي، ويوما لأيام العرب وأخباره، وما رأيت عالما يجلس اليه الا خضع له، ولا سائلا الا وجد عنده علم، وفي جواره كان لا يترك الخصم الا مفعما بالاقناع، بل ومفعما بالغبطة من روعة المنطق وفطنة الحوار.

لقد كان رضي الله عنه نقي النفس، لا يحمل ضغنا ولا غلا لأحد، وكان يتخلق بأخلاق العلم والعلماء.

هوايته التي لا يشبع منها رضي الله عنه: فعله الخير لكل من يعرف من الناس ومن لا يعرف منهم، وهذا أمر بحد ذاته قمة الفضيلة.

من أقواله رضي الله عنه:

اني لآتي على الآية من كتاب الله تعالى فأودّ لو أنّ الناس جميعا علموا بالذي أعلم.

واني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يقضي بالعدل، ويحكم بالقسط، فأفرح له  وأدعو الله له بالخير،  وما عنده لي قضية أو حاجة.

واني لأسمع بالغيث يصيب المسلمين أرضا فأفرح به ومالي بتلك الأرض سائمة

 ( أي مصلحة أو فائدة مرجوة تعود له منها).

لقد كان رضي الله عنه عابدا أوابا يقوم من الليل ويصوم من الأيام، ولا تخطىء العين مجرى الدموع تسيل على خديه، لقد كان كثير البكاء كلما صلى أو تلا القرآن، فاذا بلغ آيات الزجر والوعيد والموت والبعث، علا نشيجه ونحيبه، والى جانب ذلك كله كان رضي الله عنه شجاعا مقدام،حصيفا أمين، وكان يفضل السلم على الحرب، والرفق على العنف، والمنطق على العسر، وعندما همّ الحسين رضي الله عنه بالخروج الى العراق ليقاتل زياد ويزيد، تعلق به رضي الله عنهم، محاولا منعه ولم يفلح، ولما بلغه نبأ استشهاده، تأثر عليه تأثرا بالغا ولزم داره حزنا عليه.

وفي كل خلاف بين مسلم وآخر كان حاملا راية السلم والتفاهم.

لقد خاض معركة صفين يناصر الامام عليّ ضد معاوية رضي الله عنهم لأنّ المعركة في بدايتها كانت تمثل ردعا لازما لحركة انشقاق رهيبة تهدد وحدة الدين ووحدة المسلمين.

وفاته رضي الله عنه

توفي رضي الله عنه في الطائف سنة 56 للهجرة، عن عمر يقارب السبعين عام، وقد كفّ بصره وصدقت فيه نبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم حين قال لعمه العباس رضي الله عنه: لن يموت ابنك حتى يكف بصره.

طائرا يتلو قرآنا في قبره رضي الله عنه

كان قرآنا يتلى عند قبره لحظة دفنه رضي الله عنه، فعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: مات ابن عباس رضي الله عنهما في الطائف، فشهدت جنازته، فجاء طير لم ير على خلقته، ودخل نعشه ونحن ننظر اليه، وتأملنا أن يخرج فلم ير أنه خرج من نعشه، فلما دفن تليت هذه الآيات على شفير القبر:

يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي

ولا يدري أحدنا من تلاها.

وشهدت مدينة الطائف مشهدا حافلا لمؤمن يزف الى الجنان باذن الله تبارك وتعالى، وبينما كان جثمانه الطاهر يأخذ مستقره في قبره كانت جنبات الأفق تهتز بأصداء وعد الحق تبارك وتعالى.

فرضي الله عن ابن عباس وصلى اللهم وسلم وبارك على من ربّاه.

 13- عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما

      الامام الحبر العابد الباكي الأوّاب

عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما صاحب وابن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اسلامه رضي الله عنه

أسلم رضي الله عنه قبل أبيه، وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العلم والعمل، وقد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم العلم الكثير، وهاجر بعد السنة السابعة للهجرة، وشهد الغزوات كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب الكثير عنه صلى الله عليه وسلم بعدما ورخصّ له النبي صلى الله عليه وسلم في الكتابة.

سلامه على جبريل عليه السلام

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت يوما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته فقال: هل تدري من معنا؟ قلت: من يا رسول الله؟ قال: جبريل عليه السلام، فقلت: السلام عليك يا جبريل ورحمة الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انه قد ردّ عليك السلام.

وسام النبي صلى الله عليه وسلم

عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: عمرو بن العاص من صالحي قريش، ونعم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله.

العابد الباكي رضي الله عنه

كان رضي الله عنه انموذجا للعبد المخلص لله تعالى في عبادته، يقول رضي الله عنه: زوّجني أبي من امرأة من قريش، فلما دخلت عليّ لا اتحاشى لها بما بي من القوة على العبادة من الصلاة والصوم، فجاء عمرو بن العاص حتى دخل عليها فقال: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرجال من رجل لم يفتش لنا كنف، ولم يعرف لنا فراش، فأقبل عليّ فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب فضلتها؟ ثم انطلق الى النبي صلى الله عليه وسلم فشكاني اليه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أتصوم النهار؟ قلت: نعم، قال: وتقوم الليل؟ قلت: نعم، قال: ولكني أصوم وأفطر وأنام وأمسّ النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني، ثم قال: اقرأ القرآن في كل شهر، قلت: اني أجدني أقوى من ذلك، فقال: فاقرأه في عشرة أيام، قلت: اني أجدني أقوى في ذلك، فقال: فاقرأه في كل ثلاث، ثم قال: صم في كل شهر ثلاث، قلت: اني أقوى من ذلك، فلم يزل يرفقني حتى قال: صم يوما وأفطر يوما فانه أفضل الصيام، وهو صيام أخي داوود.

ولما شاخ رضي الله عنه قال: ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روايته للحديث رضي الله عنه

قال أبي هريرة رضي الله عنه: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا من عبد الله بن عمرو، فانه كان يكتب ولا أكتب.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله أأكتب ما أسمع منك؟ قال: نعم. قلت: في الرضا وفي الغضب؟ قال: نعم، فاني لا أقول الا حقا.

وقد نقل عنه رضي الله عنه أنه كان يطفيء السراج من الليل ثم يبكي حتى تلتصق أجفانه ببعضهما من غزارة الدموع، وكان كثيرا ما يقول: لأن أدمع دمعة من خشية الله عزوجل أحبّ اليّ من أن أتصدّق بألف دينار.

أطع أباك ما دام حيا

جملة قالها النبي صلى الله عليه وسلم له رضي الله عنه.

ذات يوم شكاه أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له عليه الصلاة والسلام: أطع أباك ما دام حي، ولشدة التزامه بنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعقه عندما نشب القتال في صفين في الفتنة التي وقعت بين علي ومعاوية رضي الله عنهم، ورغم علمه بأنّ والده يدعوه للوقوف الى جانب الفئة الباغية الا أنه أطاعه لكن دون أن يشارك في القتال مما حذا بمعاوية رضي الله عنه أن يساله: ما بالك معنا؟  أجابه رضي الله عنه: انّ أبي شكاني الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لي يومها: أطع أباك ما دمت حي، وها أنا معه ولست أقاتل.

بكاءه على احتراق الكعبة المشرفة

حين أدبر جيش حصين بن نمير دخل عبد الله سعيد المسجد الحرام ليجد عبد الله بن عمرو بن العاص في المسجد الحرام يقف أمام الكعبة وهي محترقة وحجارتها متناثرة فبكى ثم قال: أيها الناس! والله لو أنّ أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلوا ابن نبيكم (يقصد ابن الزبير رضي الله عنهما) ومحرقوا بيت ربكم لقلتم ما نجد أكذب من أبو هريرة، فقد فعلتم، فانتظروا نقمة الله فليلبسكم شيعا وليذيق بعضكم بأس بعض.

وفاته رضي الله عنه

توفي في مصر ودفن في بيته سنة 65 للهجرة، وسبب دفنه في بيته أنه لم يخرج أحدا بجنازته كون حصول مصادفة بوفاة شخصية مهمة في عهد مروان بن عبد الملك في نفس يوم وفاته رضي الله عنه فدفن في بيته.

فرضي الله عنك وصلى الله وسلم وبارك على من رباك.

14- عبد الرحمن بن صخر الدوسي - أبو هريرة رضي الله عنه

      ذاكرة عصر الوحي الحديدية

أبو هريرة رضي الله عنه واحدا من أكفأ وأكثرالصحابة حفظا لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويملك ذاكرة حديدية متقدة نماها له المولى سبحانه وتعالى كي يحفظ ميراث النبي صلى الله عليه وسلم من الضياع والعبث.

 لقد هيأته موهبته ليكون أكثر الصحابة وعيا وادراكا بميراثه صلى الله عليه وسلم ذلك، ذلك أنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنوات متتالية بدقائقها وثوانيه،  اللهم الا من الأوقات التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم يخلد في حياته الخاصة مع نفسه واهل بيته الأطهار.

قوة ذاكرته رضي الله عنه

تفرغ أبو هريرة رضي الله لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم تفرغا كاملا لدرجة أنه بمجرد أن يتلقى من فمه الشريف كلمة يثبتها في صدره قبل عقله فلا ينساها أبد، وتلك موهبة أيده فيها سبحانه لأجل أن يحفظ ميراثه عليه الصلاة والسلام.

كان رضي الله عنه يسمع فيعي، ويقرأ فيحفظ، وكان يتمتع بذاكرة تجيد فن الحفظ والاختزان كما جهاز الكمبيوتر اليوم يختزن كل المعلومات بلمسة يده على الماوس، وليس كما نحن اليوم نقرأ بعيوننا وقلوبنا تجوب معالم الدنيا بما فيها فلا نستوعب ما نقرأ وكأننا نقرأ بصحيفة لا تهمنا أخبارها.  وان كان صنع الانسان قد هيأ جهازا لحفظ المعلومات، فماذا نقول بصنع الله تبارك الذي لا يعجزه ايجاد عقول بشرية تستوعب كل ما تسمع وتخزنها في ذاكرته، ولا عجب في ارادة الله تبارك وتعالى الذي وهب أبو هريرة رضي الله عنه هذه النعمة الجليلة ليحفظ تراث نبيه صلى الله عليه وسلم، ولولا سنته صلى الله عليه وسلم ما عرفنا شيئا عن دينن، فالقرآن الكريم ذكر لنا جميع الأحكام والفروض ، لكنه لم يفصلها لنا كله، فجاءت السنة لتبينها لنا بتفاصيلها كاملة، ولنضرب مثلا على ذلك الصلاة، التي هي عمود الدين  أمرنا الله تعالى باقامته، ولم يبّين لنا أية تفاصيل عن أوقاته، أو عن أركانه، أو حتى عدد ركعاته، أو عن أذكاره، أو عن شروطه، فجاءت السنة المطهرة وبيّنت لنا كل شيء مفصل، وعلى الصلاة تقاس كل الأعمال والأركان والفروض.

محاربته للوضاعين رضي الله عنه:

عندما جاء عصر الوضّاعين الذين تخصصوا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتخذوا أبو هريرة رضي الله عنه غرضا سيئا مستغلين سمعته العريضة في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوأ استغلال، ولولا تلك الجهود المخلصة والبارة الخارقة التي بذلها أبرار كبار نذروا حياتهم وكرسوها لخدمة الحديث النبوي، لغدت أحاديثه صلى الله عليه وسلم موضع ارتياب وتساؤل، هنالك نجا أبو هريرة رضي الله عنه من أخطبوط الأكاذيب  والتلفيقات التي أراد المفسدون أن يتسللوا بها الى الاسلام وأن يحمّلوه وزرها وآذاها.

أبو هريرة رضي الله عنه واحدا من الذين تنعكس عليهم ثروة الاسلام بكل ما أخذته من تغيرات، ولم تنقلب حياته رأسا على عقب الا بعد التصاقه بالنبي صلى الله عليه وسلم، فصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم حولته من أجير الى سيّد، ومن ساجد أمام حجارة مركومة الى عالم وفقيه مؤمن بالله الواحد القهار، وخير ما يحدثنا عن أبي هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي (أبو هريرة نفسه) فيقول:

نشأت يتيم، وهاجرت مسكين، وكنت أجيرا ليسرى بن غزوان بطعام بطني، كنت أخدمهم اذا نزلو، وأحدوا لهم اذا ركبو، وها أنا وقد زوجنيها الله تعالى، فالحمد لله الذي جعل الدين قوام، وجعل أبو هريرة اماما.

قدم أبو هريرة رضي الله عنه من خيبر الى المدينة سنة سبع للهجرة وكان عمرة يومئذ 26 عام، فأسلم راغبا مشتاق، ومنذ أن رأى النبي صلى الله عليه وسلم وبايعه على الاسلام وهو رضي الله عنه لم يفارقه قط الا في ساعات النوم، أربع سنوات عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت سنوات الخير كله، وحدها كانت عمرا كامل، كانت طويلة عريضة مليئة بكل صالح من القول والعمل والصحبة.

لماذا أبو هريرة أكثر رواة الحديث؟

يقول أهل العلم: انّ ابطال الحرب في الصحابة كثيرون، والفقهاء والدعاة والمعلمون أكثر، ولكن البنية التحتية للمجتمع كانت تفتقد للكتابة، وفي تلك العصور كانت الجماعة الانسانية كلها لا تهتم بالكتابة، ولم تكن الكتابة من علامات التقدم في ذلك الزمان، لذا كان كثير من رجالها ونساءها أميون لا يدركون شيئا من القراءة والكتابة، ورغم أنّ ابو هريره رضي الله عنه كان من تلك العصور، الا أنه نال حظا وافرا من العلم والتعلم ، شأنه شان كتاب الوحي رضي الله عنهم، ورغم قلتهم الا أنهم كانو، وأبو هريرة بحدسه العريض وبذكاءه الشديد وبفطرته السديدة أدرك حاجة المجتمع الجديد الذي يبنيه الاسلام لبنة لبنة، الى من يحفظ تراثه وتعاليمه، كان هناك يومئذ من الصحابة كتاب الوحي يكتبون ما يتنزل به الوحي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم، وما كان لهم أن يكتبوا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يختلط عليهم كلام رب العزة تبارك وتعالى بكلام نبيه صلى الله عليه وسلم، لأجل هذا رأى أبو هريرة رضي الله عنه أن يستوعب بقلبه وعقله ما ينطقه الفم الشريف من أحاديث، ووجد نفسه أهلا لحفظ الأحاديث نظرا للموهبة الجليلة التي أيده الله عزوجل به، ونظرا للتفرغ الكامل لخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظرا للفراغ الطويل الذي أهّله الى ما يمكنه من ادرك كل ما كلمة ينطق به فمه الشريف صلى الله عليه وسلم فقد سار الدرب ، ومن سار على الدرب وصل.

لم يكن أبو هريرة رضي الله عنه كاتب، بل كان حافظ، وكان يملك من الفراغ ما يمكنه من ادراك كل أحاديثه صلى الله عليه وسلم، وهذه موهبة الهية خصّها به الله تبارك وتعالى وأيده بها وانعم بها عليه بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم حين دعا له دعوة فتحت لها أبواب السماء، ليكون واحدا من النجباء الذين يأخذون على عاتقهم هذا التراث ومن ثم نقله للأجيال القادمة.

لماذا منع عمر أبو هريرة رضي الله عنهما من رواية الحديث؟

هناك بعض الشكوك كانت قد راودت بعض الصحابة رضوان الله عليهم من كثرة ما حدّث أبو هريرة من أحاديث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، جعلهم يرتابوا بصحته، الا أنّ أبو هريرة رضي الله عنه قد دافع عن نفسه وقال لهم: انكم تتقوّلون بأنّ ابو هريرة قد أكثر في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتقولون أن المهاجرين الذين سبقوه الى الاسلام لا يحدّثون هذه الأحاديث، ان أصحابي من المهاجرين كان هناك ما تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وانّ لأصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم وزروعهم، واني كنت أميرا مسكينا أكثر مجالسة للنبي صلى الله عليه وسلم، أحضر اذا غابو، وأحفظ اذا نسو، وقد حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثي ثمّ يقبضه اليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه مني، فبسطت ثوبي ، فحدّثني ثم ضممته اليّ ، فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه، وايم الله لولا آية في كتاب الله ، ما حدّثتكم بشيء أبد،  قوله تبارك وتعالى: انّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.

لأجل هذا كان أبو هريرة يحدّث بالناس كي لا يطوله اثم اذا هو كتم حديث، وكان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قد قال له يوما لكثرة ما اشتكاه بعض الصحابة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس

والتزام أبو هريرة بأمر عمر رضي الله عنه لا يشكل اتهاما لأبي هريرة رضي الله عنه، بقدر ما هو دعم لنظرية عمر رضي الله عنه تبناها وأكده، خاصة وأنّ المسلمين في تلك الفترة بالذات كان يجب ألا يحفظوا سوى القرآن الكريم حتى يستقر ويثبت في الصدور والعقول، فالقرآن كتاب الله تبارك وتعالى، ودستور الاسلام، وقاموس الدين، وكثرة الحديث عنه صلى الله عليه وسلم خاصة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم قد يعيق جمع القرآن الكريم لما  قد يتسبب بلبلة وتداخلات الأحاديث مع نصوص آيات القرآن الكريم، ولو أنّ أبو هريرة رضي الله عنه صرّح بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بعد جمع القرآن الكريم لما اعترض عمر رضي الله عنه ولا غيره على روايتها.

من أجل ذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: اشتغلوا بالقرآن فانه كلام الله.

 وكان يقول: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،الا فيما يعمل به.

وأبو موسى الأشعري لم ينكر على أبو هريرة رواية الحديث، ولكن رأيه من ذلك كان يقترب كثيرا من رأي عمر، لذا قال لأبو هريرة رضي الله أجمعين: انك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي القرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه ، ولا تشغلهم بالحديث وأنا شريكك في ذلك.

كان القرآن الكريم قد جمع بطريقة مضمونة دون أن يتسرّب اليه ما ليس فيه، وحكمة عمر وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما كانت عاملا مساعدا وقويا على تحقيق ذلك، فالقرآن الكريم من المحال أن يحرّف أو يزوّر، ذلك أن الله تعالى قد تكفل بحفظه بقوله عزوجل: انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون،  بينما الأحاديث فهي قابلة للتحريف والتبديل والتزوير، وقابلة لأن تتخذ سبيلا في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنيل من الاسلام، وكان أبو هريرة يقدّر وجهة نظرعمر رضي الله عنهما ويحترمه، لأجل هذا كان لا يريد أن يكتم الحديث والعلم وهما بنظره أمانة يجب أن تؤدى.

وهناك ثمة سببا آخرا وجوهريا هاما كان له دور كبير في اثارة المتاعب حول أبو هريرة رضي الله عنه بمنعه من رواية الحديث قبل جمع القرآن هو ظهور محدّث آخر يروي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو كعب الأحبار وهو يهوديا ،وكان يكثر ويسرف في الحديث مما جعل المسلمون لا يطمئنون اليه كثيرا.

ميراث رسول لله صلى الله عليه وسلم

ذات يوم  مرّ أبو هريرة رضي الله عنه في سوق المدينة اذ وقف وقال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسّم وأنتم ههنا؟ ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا: وأين يقسّم؟ قال: في المسجد، فخرجوا من السوق مسرعين الى المسجد، ثم ما لبثوا أن عادوا وأبوهريرة رضي الله عنه لا زال واقفا مكانه، فلما أبصرهم قال: مابكم عدتم؟ قالوا: أتينا المسجد فدخلناه، فلم نر فيه شيئا يقسّم، بل رأينا أقواما تصلي، وأقواما تقرأ القرآن،وأقواما تتذاكر الحلال والحرام، فقال رضي الله عنه: ويحكمّ ! فذاك هو ميراثه صلى الله عليه وسلم.

مروان بن الحكم وأبو هريرة رضي الله عنه:

أراد مروان الحكم يوما أن يختبر قوة ذكاء أبو هريرة رضي الله عنه ليقف على أمر كان بعض الصحابة قد تداوله حول ارتيابهم في الأحاديث التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاسدعاه الى قصره وطلب منه أن يحدثه بما يحفظ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مروان قد أخفى أحد كتابه من وراء حجاب وطلب منه أن يدوّن كل كلمة يقولها أبو هريرة، وفي العام التالي استدعاه ثانية وطلب منه أن يحدثه بالآحاديث التي ذكرها له العام الماضي، وبعد أن انتهى قال له كاتبه: ما نسي أبو هريرة كلمة واحدة مما قاله اليوم عما قاله العام الماضي.

العابد الزاهد الهجّاد

كان رضي الله عنه هجاد، عابد، زاهد، أواب، يتناوب مع زوجته وابنته على قيام الليل، فيقوم هو ثلثه، وزوجته تقوم ثلثه، وابنته تقوم ثلثه، وهكذا كانت لا تمر ساعة من ليلة الا وفي بيته عبادة وذكر وصلاة.

اسلام أمه رضي الله عنهما

لما أسلم أبو هريرة رضي الله عنه لم يكن هناك أحدا ينغص عليه حياته سوى أمه التي عارضت بشدة دخوله في الاسلام، وليس ذلك فحسب بل كانت تؤذيه وتذكره بسوء، وكان رضي الله عنه يبتجنّب مجلسها كي لا يعقه، ونترك اليه  رضي الله عنه ليحدثنا بذلك فيقول:

فجئت رسول الله وأنا أبكي، وقلت له: يا رسول الله لطالما دعوت أمي الى الاسلام فتأبى عليّ، واليوم دعوتها فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهديه، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد أم أبو هريرة، فخرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أتلمّس طريقي الى البيت وما أن وصلت حتى سمعت خضخضة ماء ونادتني أن يا أباهريرة مكانك، ثم لبست درعه، وعجّلت خماره،وخرجت الي وهي تقول: أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله، فهرعت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن من قبل، وقلت: أبشر يا رسول الله، لقد استجاب الله لدعوتك، وهدى الله أمي الى الاسلام، ثم قلت: يا رسول الله! ادع الله أن يحببني وأمي الى المؤمنين والمؤمنات، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم حبّب عبيدك هذا وامه الى كل مؤمن ومؤمنة.

توليته امارة البحرين رضي الله عنه

عاش أبو هريرة عابدا زاهدا لا يتخلف عن غزوة ولا عن طاعة، وفي خلافة عمر رضي الله عنهما ولاه امارة البحرين، وكان من وراء وجوده في البحرين قد ادخر مال، ولما علم عمر رضي الله عنه دعاه الى المدينة ، ودار بينهما الحديث التالي:

يا عدو الله وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟

ما أنا بعدو الله  ولا بعدو كتابه ، ولست من يسرق مال الله.

اذن من أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟

خيل لي تناسلت وعطايا تلاحقت.

فادفعها الى بيت مال المسلمين!

ولم يكسر أبو هريرة أمر عمر رضي الله عنهم، ثم رفع يديه الى السماء وقال: اللهم اغفر لأمير المؤمنين.

وبعد حين من الزمن دعاه عمر رضي الله عنه  اليه وعرض عليه الولاية من جديد، الا أن أبو هريرة وبأدب شديد اعتذر له عنه، وعندما سأله عمر عن السبب، أجاب رضي الله عنهما: حتى لا يشتم عرضي،  ويؤخذ مالي ، ويضرب ظهري، واخاف أن اقضي بغير علم، واقول بغير حلم.

لماذا كني أبو هريرة؟

كان اسمه في الجاهلية عبد شمس وبعد الاسلام سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن، ولشدة عطفه على الحيوان ورفقه به فقد كان يربّي هرة كانت تلازمه كظله، ولأجلها أطلق عليه اسم أبو هريرة.

وفاته رضي الله عنه

في مرضه الذي توفي فيه رضي الله عنه وبينما كان أصحابه يتمنون له الشفاء كان يلح على الله تعالى قائلا: اللهم اني أحب لقاءك فاحبب لقائي، وعن عمر يناهز ال 78 عاما من عمره المبارك، وفي العام ال 59 هجرية لبى أبو هريرة رضي الله عنه نداء المولى عزوجل.

فرضي الله عنه وصلى الله وبارك وسلم على من رباه.

 

 

15- عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

      أول صادح بالقرآن الكريم  وأمير العلماء

      ساقيه يوم القيامة أثقل في الميزان من جبل أحد

هو رضي الله عنه سادس المسلمين دخولا في الاسلام ولاسلامه قصة، نترك له الحديث ليرويها لنا:

كنت غلاما يا فعا أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، جاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فقالا: هل عندك من لبن تسقينا؟ فقلت: اني مؤتمن ولست ساقيكما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك من شاة حائل لم ينز عليها الفحل؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها فاعتلفها النبي صلى الله عليه وسلم ، ومسح الضرع،  ثم اتاه أبو بكر رضي الله عنه بصخرة منقعرة فاحتلب منه، فشرب أبو بكر رضي الله عنه ثم شربت أن، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم للضرع اقلصي فقلص. فقلت للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني من هذا القول، فقال لي عليه الصلاة والسلام: انك غلام معلم.

لم يكن ابن مسعود رضي الله عنه يومها أنه سيكون احدى معجزات هذا الكون، وهو ذلك الغلام الفقير الضعيف والأجير المعدم الذي يرعى غنم غيره، لم يكن يعلم أنه يوما سيكون له شأنا ويتحدى كبراء قريش وقاهر جبروت سادتها.

انك لغلام معلم، جملة نطق بها الفم الشريف فم رسول الله صلى الله عليه وسلم أدارها ابن مسعود رضي الله عنه بعقله فقلبت كيانه كله رأسا الى عقب، جعلته يؤمن بقدرات هذا الرجل القرشي الكريم الذي أراه احدى المعجزات في شاة يافعة عذراء جعلها تدر الحليب وهي لم تلتقي مع ذكر من قبل، وقال في نفسه: لا بد أنّ هناك قوة خفية يعتمد عليها هذا الرجل( صلى الله عليه وسلم) جعلت الحجر ينطق، وبدأ يتتبع أخباره صلى الله عليه وسلم حتى اهتدى لنور الله تبارك وتعالى.

بعد أن أسلم ابن مسعود رضي الله عنه بدأ يشعر بعزته وكرامته، وبات يذهب الى مجمع الأشراف وهو الذي لم يكن من قبل يجرؤ على المرور من مجلسهم الا مطرق الرأس حثيث الخطى، لقد بات يذهب حيث سادات قريش وكبرائها يجلسون فيقف عند رؤوسهم، ويرفع صوته الحلو المثير بالقرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم  الرحمن* علم القرآن* خلق الانسان* علمّه البيان* الشمس والقمر بحسبان* والنجم والشجر يسجدان* والأرض وضعها للأنام.....ثم يواصل قراءته وزعماء قريش مشدوهون لا يصدقون أعينهم ما ترى، ولا آذانهم ما تسمع، ولا يتصورون أبدا أنّ هذا الذي يتحدّى بأسهم وكبرائهم، انما هو أجير عند سيد من ساداتهم، وأنه راعي غنم لشريف من شرفائهم.

ولنترك الزبير بن العوام رضي الله عنه يصف ذلك المشهد المثير فيقول:

كان أول من جهر بالقرآن الكريم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة هو فبد الله بن مسعود رضي الله عنه، اذ اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: والله ما سمعت قريش مثل هذا القرآن يجهر لها به ، فمن رجل يسمعهم؟ فقال ابن مسعود رضي الله عنه: أنا.

قالوا: انما نريد رجلا له عشيرته يمنعونه من القوم ان أرادوا به سوءا.

قال رضي الله عنه: دعوني، فانّ الله سيمنعني منهم.

وعندما بدأ رضي الله عنه يقرأ القرآن بدؤوا يقولون: ماذا يقول ابن أم عبد؟ انه ليتلو ما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) فقاموا اليه وجعلوا يضربون وجهه وهو ماض في قراءته، ثم عاد الى أصحابه مصابا وجهه وجسده، فقالوا: هذا الي خشينا عليك.

هذا هو ابن مسعود رضي الله عنه الذي لم تكن العين لتقع عليه لا في زحام الحياة ولا بعيدا عن الزحام، فلا هو ابن شريف، ولا من الذين أوتوا بسطة في المال و الجسم، ولا من الذين ولدوا وفي أفواههم ملعقة من ذهب، فهو من المال معدم، ومن الجسم ضامر ناحل، والناظر اليه يحسبه خيالا لنحافته المدقعة.

عميد حفظة القرآن الكريم وفقيه الأمة رضي الله عنه

انك غلام معلم، نبوءة نبوية لا تنطق عن الهوى، جعلته بفضل الله تعالى ومنته عليه فقيه هذه الأمة وعميد حفظة القرآن.

لقد بلغ رضي الله عنه من العلم ما ليس له حدود بعد أن علمه ربه فأحسن تعليمه.

لقد كان فقيها بالسنة وعالما في الدين، قرأ القرآن فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، ومثلما آتاه الله التقوى فقه أعطاه الله العلم حتى نبغ فيها وبرع.

يقول عن نفسه رضي الله عنه:

 - أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة لا ينازعني  فيها أحد.

- والله ما نزل من القرآن شيء الا وأنا اعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني.

انها نعمة عظيمة جليلة حباها الله بها رضي الله عنه لا تعادلها كنوز العالم مجتمعة، ذلك أن من يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب، وما هي الشعيرة الأعظم من النور المبين كتاب الله الكريم؟

وقالوا عنه رضي الله عنه:

- لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دوما يوصي أصحابه أن يقتدوا بابن مسعود: تمسكوا بعهد ابن أم عبد، وقال صلى الله عليه وسلم: من أحبّ أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأ قراءة ابن أم عبد.

- وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أشبه بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن مسعود.

-  وقال أبو موسى الأشعري: لا تسألونا عن شيء مادام هذا الحبر فيكم.

   لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وما  أرى ابن مسعود الا واحدا من      

  أهله. لكثرة تردده عليه صلى الله عليه وسلم لينهل منه العلم والفقه.

- وقال عمر رضي الله عنه: لقد ملء فقها.

عزله عن أمارة الكوفة رضي الله عنه:

كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قد ولاه على امارة الكوفة، على الرغم من أنّ أهل الكوفة معروف عنهم أنهم أهل تمرّد وعصيان، ولا يصبرون على طعام واحد، ولا يطيقون الهدوء ولا السلام، ورغم كل تلك السلبيات فيهم ، الا أننا نجدهم يجتمعون على حب ابن مسعود رضي الله عنه حبا يشبه المعجزات، وبقي أميرا عليها حتى جاء عهد عثمان رضي الله عنه، وعندما عزله عثمان رضي الله عنه قال له أهل الكوفة: أقم معنا ولا تخرج، ونحن نمنعك من أن يصل اليك ، فقال لهم: انها ستكون فتنة ولا أحب أن أكون من يفتح أبوابه، له عليّ الأمر وعليّ منه الطاعة.

ولقد حدث بينه وبين عثمان رضي الله عنهما حوارا نجم عنه خلافا تفاقم الى حد أن حجب عثمان عنه راتبه ومعاشه من بيت المال، ورغم ذلك لم يقل ابن مسعود عن عثمان رضي الله عنهما كلمة سوء واحدة.

لقد لخّص لنا ابن مسعود حياة عمرالفاروق رضي الله عنه العظيمة بكلمات ثلاث: كان اسلامه فتحا...وكانت هجرته نصرا...وكانت امارته رحمة.

من كلماته الجامعة رضي الله عنه:

خيرالغنىغنى النفس...وخير الزاد التقوى...وشرالعمى عمى القلب...وأعظم الخطايا الكذب...وشر المكاسب الربا....وشر المآكل مال اليتيم...ورأس البر من يعف الله عنه، ومن يغفر الله له.

هذا هو الرجل الذي كان حجم جسمه في حجم العصفور، يكاد الجالس يوازيه طولا وهو قائم، ذو ساقان ناحلتان ودقيقتان، هما أثقل في الميزان من جبل أحد، ولذلك قصة أودكم أن تقرؤوها بآذان القلوب:

ذات يوم تسلق ابن مسعود رضي الله عنه أعلى شجرة ليقطع منها عودا من أراك كمسواك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى الصحابة دقة ساقيه تعجبوا وضحكو، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من دقة ساقي ابن مسعود؟ انها أثقل في الميزان عند الله من جيل أحد.

أجل هذا هو الأجير الفقير، الناحل الوهنان، الذي جعل منه ايمانه اماما من أئمة الخير والفقه والهدى والنور، ولو أنّ الانسان يقاس عند الله بحجم جسمه لما قال الله تعالى عن المنافقين: واذا رايتهم تعجبك أجسامهم كأنهم خشب مسندة

انّ من حمكة الله تبارك وتعالى أنه يضع سره في أضعف خلقه ليثبت لأصحاب العقول الجاهلة صدق قوله الكريم: يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو، انّ اكرمك عند الله أتقاكم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: لا فضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى

وقال عليه الصلاة والسلام: ان في الجسد مضغة، ان صلحت صلح الجسد كله، وان فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب،

ولأن القلوب هي مصادر التقوى، فقد قال تعالى: انّ أكرمكم عند الله أتقاكم.

مناقبه رضي الله عنه:

- لقد حظي ابن مسعود رضي الله عنه برضوان الله تعالى وجنته وهو لا زال على ظهر الأرض.

- من أوائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخولا في الاسلام.

-  يدخل بيته صلى الله عليه وسلم متى شاء في أي وقت من ليل أو نهار.

- رزقه الله العلم والمعرفة فكان عالما وفقيه، واستحق لقب أمير العلماء بجدارة.

وفاته رضي الله عنه:

توفي رضي الله عنه في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد روى

ابن عساكر رحمه الله فقال: في مرضه الذي توفي فيه ابن مسعود، عاده أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، ودار بينهما حديثا مؤثرا جدا تدمع له العين لقوته، الحديث التالي ما دار بينهما وقد بدأه عثمان رضي الله عنه:

ما تشتكي؟

ذنوبي.

فما تشتهي؟

رحمة ربي.

آلا آمر لك بطبيب؟

الطبيب أمرضني.

آلا آمر لك بعطاء؟

لا حاجة لي فيه.

يكن لبناتك من بعدك.

أتخشى على بناتي الفقر يا أمير المؤمنين؟ اني أمرت بناتي أن يقرأن سورة الواقعة كل ليلة، واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا.

فرضي الله عن ابن مسعود وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

16- عبد الله بن السعدي رضي الله عنه

   مهاجر بعد الهجرة خلق للآخرة

ترك وطنه العزيز مع كل ما يحمل من فراق الوطن من شدة على النفس البشرية، ومع كل تلك الآلام كانت هجرته أحب الى عبدالله رضي الله عنه من الدنيا وما حوت من كنوز زائلة، ولأن نظرته للدنيا من هذا المنظار فقد باع الدنيا بقشرة بصلة كما يقولون وآثر عليها الدين الذي لا يزول.

انّ الهجرة بمفهومنا تختلف عن الهجرة بمفهوم عبد الله رضي الله عنه، فعبد الله رضي الله الذي فرّ من وطنه الى المدينة لينجو بدينه يكون قد حقق الهدف من الهجرة، والهجرة لا يطلق عليها هجرة الا اذا حققت شروطها والتي تتبلور حول شرط واحد أن تهجر وطن يمنعك من ممارسة حقوقك الدينية الى وطن سواه يضمن لنا حرية ممارسة حقوقك الدينية كما يحلو لك.

ان الهجرة بمعناها الحقيقي هي الفرار من الوطن للحافظ على الدين من الفتنة، ولأن عبد الله رضي الله عنه خلق للآخرة فقد صار من أبناءها وتعامل مع الدنيا وكأنها خلقت له لا خلق له، وهناك فرق شاسع بين هذين المعنيين لا يدركهما الا من كان قلبه معلقا بالله تبارك وتعالى، الا الذي يعبد الله على أنه يراه، فان لم يكن يراه فان الله يراه، وهذا قمة الاحسان.

هجرته الى الله ورسوله رضي الله عنه:

خير من يروي لنا هذا الحدث هو نفسه صاحب القصة رضي الله عنه فيقول: وفدنا في نفر من بني سعد بن بكر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أو ثمانية وقد كنت أحدثهم سن، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمضينا حوائجن، ومن ثم خلفوني على رجل لهم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: أخبرني عن حاجتي؟ قال: وما حاجتك؟ قلت: رجال يقولون قد انقطعت الهجرة، فقال صلى الله عليه وسلم: انت خيرهم- ما انقطعت الهجرة ما قوتل الكفار( أي مادام هناك كفار في الدنيا) ثم قال صلى الله عليه وسلم: لا هجرة بعد الفتح (أي من مكة الى المدينة)  ثم قال صلى الله عليه وسلم : انّ الهجرة انقطعت بعد الفتح، ولكن جهاد ونيّة، واذا استنفرتم فانفروا ان الهجرة بمفهومها الحقيقي هي خوف الانسان على نفسه من الفتنة في الدين، فمن خشي على نفسه من أن يفتن في دينه فقد وجبت عليه الهجرة.

فرضي الله عنك يا ابن العم وصلى الله وسلم وبارك لى من رباك.

17- عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

       توأم الليل وصديق السحر

هو عبد الله بن عمر الفاروق رضي الله عنهم، ويجتمع في النسب مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي، وامه زينب بنت مظعون وأخته من أمه وأبيه أم المؤمنين حفصة رضي الله عنهم.

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لخص الدنيا لابن عمر رضي الله عنهما بكلمات قليلة في حروفه، غزيرة في معانيها:

يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور.

ولادته رضي الله عنه:

ولد رضي الله عنه في مكة في السنة الحادية عشرة التي سبقت الهجرة المباركة، أي بعد البعثة النبوية الشريفة بعامين .

يقول عن نفسه: منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه سلم فما نكثت ولا بدّلت، وما بايعت صاحب فتنة قط ، ولا أيقظت مؤمنا من مرقده، اصطحبنيي أبي معه في غزوة بدر وهو يرجو أن يكون لي بين المجاهدين مكانة، الا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ردني لحداثة سني.

فضائله رضي الله عنه:

كان رضي الله عنه عالما..متواضعا..ورعا..تقيا..جوادا وكريما..متواضعا..

عابدا..مستمسكا بالقدوة من الذين سبقوه للايمان، لقد كان جوده وكرمه وورعه وزهده تعمل معا في فن عظيم لتشكل أروع فضائل هذا الانسان العظيم، فقد كان يعطي الكثير من الرزق الحلال الطيّب، ولنه ورع فقد كان لا يبالي أبدا أن يتركه جوده وكرمه فقير، فالزاهدين في الله لا يخشون الفقر أبد، والفقر تاج على جبين الأتقياء، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.

قالوا عنه رضي الله عنه:

لقد تعلم من أبيه الفاروق رضي الله عنه الخير الكثير، وتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير كله، والعظمة كله، وقد احسن الايمان وبمتابعته لرسول صلى الله عليه وسلم  فقد حظي  على أمرا يبهر الألباب، حيث كان رضي الله عنه يحاكي النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، ويقلده في كل شيء، مما أثار فرط اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم حفيظة أم المؤمنين،  حتى قالت رضي الله عنها: ما كان أحد  يتتبّع النبي  صلى الله عليه وسلم  في منازله  كما كان يتتبعه ابن عمر

 كان أكثر الناس تتبّعا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقالت رضي الله عنها: ما من أحد أدرك الدنيا الا وقد مالت به الا ابن عمر.

قال له رجل ذات يوم: يا خير الناس ويا اين خير الناس، فأجابه: ما أنا بخير الناس ولا ابن خير الناس، انما أنا عبد الله أرجوه وأخافه، والله انكم لا تزالون بالرجل حتى تهلكوه.

بهذه الكلمات كان يدفع الامام الكبير داء العجب عن نفسه، بينما نرى هذه الأيام من أكله الكبر وحطمه الغرور ولسان حاله يقول: يا أرض اشتدي ما في حدا قدّى، مع أنه لا يساوي عند الله في الميزان بعرة ماعز، فما احقر الانسان عندما لا يعرف نفسه، ورحم الله امريء عرف قدر نفسه.

وقالوا عنه: ما سمعنا ابن عمر رضي الله عنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمامه الا بكى.

 دعاؤه رضي الله عنه:

كان رضي الله عنه كلما أصبح يدعو الله تبارك وتعالى بهذا الدعاء: اللهم اجعلني من أعظم عبادك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة، ونور تهدى به، ورحمة تنشره، ورزق تبسطه، وضر تكشفه، بلاء ترفعه، وفتنة تصرفها.

من نصائحه رضي الله عنه:

ان العلم كثير ولكن ان استطعت أن تلقي الله خفيف الظهر من دماء المسلمين ، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازما جماعتهم، فافعل.

حرصه الشديد على الرواية والفتوى رضي الله عنه:

لقد كان شديد التمسك بالسنة لا يكاد يشذ عنها قيد أنملة أو قيد شعرة، وكان يتتبع آثار النبي في كل شيء.

 كان يتهيّب الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يروي عنه حديثا الا اذا كان ذاكرا كل حروفه حرفا حرفاو لقد كان شديد الحذر والحرص من أن يزيد أو ينقص من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، كذلك كان شديد الحذر في الفتي، وكان كثيرا ما يجيب السائل عن فتوى لا يعلمها بلا أعلم بما تسأله عنه.

كان يخاف أن يجتهد في فتواه فيخطىء في اجتهاده، ومع علمه بأن للمخطىء أجر وللمصيب اجرين، الا أنه كان يخشى الفتي، وكان رضي الله عنه يبتعد عن مناصب القضاة، ومناصب القضاة في تلك الأيام كانت من أرفع المناصب، ومع أن تلك المناصب كانت تضمن لشاغليها ثراء وجاها ومجد، فقد كان رضي الله عنه يرفضها بشدة.

ذات يوم دعاه الخليفة عثمان رضي الله عنهما وطلب اليه أن يشغل منصب القضاة، فرفض ابن عمر رضي الله عنه رغبته قائلا له: ان القضاة ثلاث: قاض يقضي بجهل فهو في انار، وقاض يقضي بهوى فهو في النار، وقاض يجتهد ويصيب فهو كفاف ولا وزر ولا أجر، واني لسائلك الله أن تعفيني، فأعفاه رضي الله عنهما بعد أن اخذ عليه عهدا ألا يخبر أحدا بهذ، وذلك لأن عثمان رضي الله عنه يعلم مكانة ابن عمر رضي الله عنهما في قلوب الناس، وان عثمان رضي الله عنه ليخشى اذا عرف الأتقياء الصالحون عزوف ابن عمر رضي الله عنهما عن القضاء ألا يقبل بها أحدا بعده.

تؤأم الليل وصديق السحر

لقد كان ابن عمر رضي الله عنه توأم  الليل، يقومه مصلي، وصديق السحر يقطعه مستغفرا وباكي، فقد كان رضي الله عنه قد رأى رؤيا فسرها له رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيرا جعل قيام الليل منهى لآماله، ومناط غبطته وحبوره، يقول رضي الله عنه: رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنّ بيدي قطعة استبرق، وكأني لا أريد مكانا في الجنة الا طارت بي اليه، ورأيت كأنّ اثنين آذياني وأرادا أن يذهبا بي الى النار، فتلقاهما ملك فقال: لا ترع، مخليا عني، فقصّت أختي حفصة رؤياي على النبي صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فليكثر.

ومنذ تلك الرؤيا لم أدع قيام الليل لا في حلي ولا في ترحالي.

رؤيته رضي الله عنه لأبي جهل يخرج من قبره

ولأنه بلغ من العلم مبلغ الآفاق في السحاب وهو لا يزال شاب، فقد جعله الله تعالى يقف على عذاب أبا جهل في قبره، يقول رضي الله عنه:

بينما كنت أسير في جنبات بدر، واذ خرج رجل من حفرة وفي عنقه سلسلة، فناداني: يا عبد الله اسقني..يا عبد الله اسقني..يا عبد الله اسقني، فلا أدري أعرف اسمي أم ناداني بدعاية العرب! وخرج من تلك الحفرة رجلا آخرا وفي يده سوط، فناداني: يا عبد الله لا تسقه فانه كافر، ثم ضربه بالسوط، فعاد الى حفرته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال: أو قد رأيته؟ فقلت: نعم يا رسول الله، قال: ذاك أبو جهل، وذاك عذابه الى يوم القيامة.

سخاؤه رضي الله عنه:

لقد كان جوده وكرمه وسخاءه علامة مميزة تشهد له بالورع والتقوى، ومن شدة سخاءه في الصدقة كان ينفق في سبيل الله كل ما لديه، وفي اليوم التالي كان يستدين لاطعام أهله.

ما ينبغي لمن ينتمي لرسول الله  صلى الله عليه وسلم أن يكون للمال عبدا.

لقد كان ابن عمر رضي الله عنه تاجرا ناجح، ولأن الأموال كانت تأتيه من حيث لا يحتسب، فقد كانت تمر به مرور، وتعبر داره عبور، وكان قلما يأكل الطعام وحده، فلا بد أن يكون معه أيتام وفقراء، وعندما عرف الفقراء عطفه وذاقوا حلاوة بره وحنانه أصبحوا يجلسون في طريقه  حين يراهم يصحبهم معه الى داره، لقد كان المال بين يديه خادما لا سيد، وكان وسيلة لا غاية، وسيلة لضروريات العيش لا غاية للترف.

ما كان رضي الله عنهما يتهالك على الدنيا ولا يسعى له، بل هي كانت تسعى اليه.

لقد عمّر رضي الله عنه طويل، حتى أنه لعاصر العصر الأموي الذي فاضت فيه الأموال، واانتشرت الضياع، وغطى البذخ أكثر الدور، ورغم ذلك بقي شامخا ثابتا كالطود العظيم لا يبرح نهجه ولا يتخطى عن ورعه وزهده، لقد كانت الدنيا تسعى اليه وتطارده بطيباتها ومغرياتها ويرفضه، وهل هناك اغراء أكثر من منصب الخلافة الذي عرض عليه بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وتركه؟

يقول الحسن رضي الله عنه: لما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا لابن عمر رضي الله عنه انك سيد الناس وابن سيد الناس، فاخرج يبايع لك الناس! وعندما ابى قالوا: اتخرجنّ أو لقتلناك على فراشك، فأعاد عليهم ما قال.

موقفه رضي الله عنه من  الحجاج:

وذات يوم وقف الحجاج خطيبا فقال: انّ الزبير حرّف كتاب الله! الا أنّ ابن عمر رضي الله عنه صاح في وجهه وقال: كذبت..كذبت..كذبت، فصفعت المفاجأة وهو اذلي يخافه كل الناس في ذلك الزمان لقسوته وتجبره وانتزاع الرحمة من قلبه، ومضى الحجاج يتوعده بشر الجزاء.

موقفه من حروب الفتنة رضي الله عنه:

رغم اعتزاله رضي الله عنه عن الفتنة وعزوفه عن الخلافة والامارة الا أنه لم يعش في معزل عنه، بل كان يصدع بكلمة الحق، وكان لا يخشى في الله لومة لائم، انه يعلم أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم لهذا الدين، وهو الرحى الذي يدور عليها الاسلام، وقد كان دفاعه عن الحق سببا في موته رضي الله عنه، وسعيد بن جبير رضي الله عنه خر من حدثنا عن ذلك فيقول: لما احتضر ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما آسى على شيء في الدنيا الا على ثلاث: ظمأ الهواجر... ومكابدة الليل.. وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا (يقصد الحجاج).

وفي حرب الفتنة التي وقعت بين علي كرّم الله وجهه وبين معاوية، فقد اعتزلها على الرغم من أنّه كان قلبا وقالبا يناصر عليا رضي الله عنه،  وكان دائما يقول: ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا الا أنّي لم أقاتل الفئة الباغية مع علي رضي الله عنه.

 وعندما سئل عن الذي منعه من نصرة علي رضي الله عنه،  قال: ما منعني هو أنّ الله قد حرّم علينا دماء المسلمين، فالله تعالى يقول في كتابه الكريم: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ولقد فعلنا ما أمرنا الله تبارك وتعالى به وقاتلنا حتى كان الدين لله، أما اليوم ففيم نقاتل؟ نقاتل من يشهد أن لا اله الا الله؟ هكذا كان منطقه رضي الله عنه، وهذه كانت حجته، وهكذا كان اقتناعه.

وفاته رضي الله عنه:

في العام 73 للهجرة مالت الشمس للمغيب ورفعت احدى سفن الأبدية مراسيها مبحرة الى العالم الآخر والرفيق الأعلى تحمل جثمان آخر ممثّل لعصر الوحي في مكة والمدينة، عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

فرضي الله عن ابن عمر وصلى الله وسلم على من رباه.

 

 18-  عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه

         من كلمّه الله عزوجل بعد استشهاده

اذا ذكرت عبد الله بن عمرو بن حرام، يجب أن تذكر معه صهره عمرو بن الجموح ، ذلك أنهما كانا متحابين في الدنيا متصافيين، وهذه شهادة لا نقولها نحن بل شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهم، ولأجل ذلك فقد أكرمهما الله تعالى.

هو عبد الله بن حرام من بني سلمة، ومن الأنصار الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، وجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا على قومه.

سخر رضي الله عنه كل ماله في سبيل الله تعالى وفي خدمة الاسلام.

وصيته لابنه رضي الله عنهما

شهد بدرا وأحد فقط، وقد تراءى له مصرعه قبل خروجه وخروج المسلمين الى أحد، لقد غمره احساسا قويا وصادقا بأنه لن يعود الى أهله من تلك الغزوة، وكاد قلبه يطير من الفرح لهذا الاحساس، لذا فقد دعا ابنه جابر رضي الله عنهما وبدأ يملي عليه وصيته لعل احساسه يصدقه فيكون قد أتى بابا كبيرا من أبواب البر، وقال: اني لا أراني الا مقتولا في هذه الغزوة، بل لعلي سأكون مفتتح باب الشهادة فيه، واني لا  أدع أحدا بعدي أحبّ اليّ منك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانّ عليّ دينا فاقضه عني، واستوصي بأخوتك خيرا.

وفاته رضي الله عنه

وفي صبيحة اليوم التالي خرج المسلمون للقاء قريش التي جاءت بجيش لجب لمقاتلة المسلمين، ودارت معركة رهيبة حقق المسلمون في بدايتها نصرا سريعا كاد أن يكون حاسما لولا مغادرة الرماة مواقعهم، هؤلاء  الرماة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ابلآ يغادروا مواقعهم أبد، ولأنهم عصوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمغادرتهم الجبل وشغل أنفسهم بجمع غنائم الجيش المنهزم- جيش قريش- فقد استغل خالد بن الوليد (قبل ان يسلم)  انشغالهم بالغنائم وجمع فلول جيشه سريعا ليفاجأ المسلمون من وراءهم بهجوم خاطف ليتحوّل نصر المسلمين الى هزيمة، وبعدما ذهب المسلمون ينظرون شهداؤهم، ذهب جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ليبحث عن أبيه حتى وجده بين الشهداء، وكان المشركون قد مثلوا به كما مثلوا بغيره من الأبطال وعلى رأسهم الحمزة رضي الله عنه.

ولما مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على أهل عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ووجدهم يبكون قال لهم صلى الله عليه وسلم: ابكوا أو لا تبكوا فانّ الملائكة ظللته بأجنحته، ثم قال صلى الله عليه وسلم لابنه جابر رضي الله عنه: ما كلم الله أحدا قط الا من وراء حجاب، ولقد كلم أباك كفاحا (أي مواجهة) فقال الله عزوجل: عبدي سلني أعطك، فقال: يا رب أسالك أن تردني الى الدنيا لأقتل في سبيلك ثانية، فقال الله تعالى: انه قد سبق القول مني أنهم اليها لا يرجعون

قال: يا رب فأبلغ من ورائي بما أعطيتنا من نعمة، فأنزل الله تعالى:

 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون

فرضي الله عنك وأرضاك وصلى الله وسلم على من ربذاك.

 

19- عمرو بن الجموح رضي الله عنه

     والله اني لأرجو أن اخطر (أطأ)  بعرجتي الى الجنة

عمرو بن الجموح رضي الله عنه  فذ / من الأنصار ومن قبيلة بنو سلمة، وهو زوج هند بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله بن عمرو حرام

كان عمرو بن الجموح رضي الله سيدا من سادات المدينة وشريفا من شرفائه، وكان يعبد صنما اسمه مناة، وكان له أربعة أبناء جميعهم دخلوا الاسلام قبله،  ومن بين ابناءه معاذ وكان قد بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية.

معاذ بن عمرو ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما صديقان  يدعوان اهل المدينة الى الاسلام، وقد اتفق المعاذان على ان يجعلا  من صنم عمرو بن الجموح سخرية ولعب، فكانا يأخذناه ليلا ويطرحانه في حفرة للقاذورات، وفي الصباح يقوم عمرو بن الجموح الى صنمه فلا يجده، فيدا في البحث عنه الى أن يجده في حفرة القاذورات، فيأخذه ويغسله ويطهره ومن ثم يطيّبه، وهكذا بات المعاذان كل ليلة يلهوان بالصنم وفي اليوم التالي يغسله ويطيبه عمرو بن الجموح، اوبعد أن سئم من هذا الموّال اليومي علق على رقبته سيفه وقال له: ان كان فيك خير فدافع عن نفسك، وكعادته يصحو في اليوم التالي فلا يجده، ويذهب الى الحفرة فيجده في قاعها ومربوطا الى كلب ميت،  فيقف مشدوها ينظر اليه، وفي هذه الأثناء يتجمهر حول الحفرة بعضا من سادات المدينة ممن سبقوه للاسلام وبدؤوا يسخرون منه تارة ويحثونه على اتباع الدين الجديد حتى اذا لان لحديثهم، ذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعه على الاسلام.

ابن الجموح رضي الله عنه والجهاد

أبناء عمرو بن الجموح رضي الله عنهم الأربعة كانوا رجالا كالأسود، وكانوا جميعا يخرجون للغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكم من مرة حاول أبوهم رضي الله عنه الخروج  للجهاد وكانوا يمنعونه بسبب عرجته، وفي غزوة بدر توسّل أبناؤه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمنعه، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الاسلام يعفيه عن الجهاد كفريضة بسبب اعاقته.

وجاءت غزوة أحد، فذهب عمرو بن الجموح رضي الله عنه الى النبي صلى الله عليه وسلم يتوسّل اليه في الخروج الى الجهاد، قائلا له: يا رسول الله انّ أبنائي يحبسوني عن الخروج معك الى الجهاد، والله اني لأرجو أن أخطر بعرجتي الى الجنة، وأمام اصراره العظيم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال عليه الصلاة والسلام  لأبناءه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة.

وفاته رضي الله عنه

واحتدم الجيشان وقاتل عمرو بن الجموح رضي الله عنه قتال الشجعان الأشداء يخطر وسط المعمعة الصاخبة، ومع كل خطرة يقطف سبفه رأسا من رؤوس الوثنية، ثم يتلفت حوله في الأفق الأعلى وكأنه يتعجّل قدوم الملاك الذي سيقبض روح ويصعد بها الى الجنة، هكذا الواثق بوعد الله تعالى تكون تطلعاته، لقد أراد عمرو بن الجموح رضي الله عنه أن يطأ الجنة بعرجته كي يعلم الأجيال القادمة كيف اختار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وكيف ربى جيلا من الرجال، وها هي وقد فاجأته ضربة سيف اومضت معلنة ساعة الزفاف، زفاف شهيد مجيد الى جنات الخلد وفردوس الرحمن.

وبعد ان تفقد المسلمين شهداؤهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اجعلوا عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح في قبر واحد، فقد كانا في الدنيا متحابين متصافيين.

ثم قال عليه والصلاة والسلام: كأني أنظر اليه يمشي برجله هذه صحيحة الى الجنة.

ونفذت وصية المصطفى صلى الله عليه وسلم ودفن الشهيدين في قبر واحد.

وبعد مضي 46 عاما على استشهادهما ودفنهم، نزل سيل شديد على أرض القبور بسبب عين من الماء كان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قد أجراها هناك، فسارع المسلمون الى نقل رفات الشهداء، وجاء جابر بن عبد الله لينقل رفات والده وزوج عمته ليجدهما في قبرهما وكأنهما نائمين لم تأكل الأرض منهما شيئ، وبسمة الرضا والغبطة التي كانت ترتسم على شفاههما يوم دعيا للقاء الله لم تفارق شفاههم، أتعجبون!!!! ومن ومن يعجب من أمر الله الا القوم الكافرون؟

فرضي الله عن ابن الجموح وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

  20- عباد بن بشر رضي الله عنه

      رجل أكرمه الله تعالى بنور يرافقه

لو اكتفينا بالتعريف عن هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه كما قرأنا في العنوان لكفانا معرفة به.

بعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من غزوة ذات الرقاع، نزلوا مكانا يبيتون فيه، واختار النبي صلى الله عليه وسلم نفرا من الصحابة للحراسة يتناوبنها فيما بينهم، وكان منهم عمار بن ياسر وعبّاد بن بشر رضي الله عنهما في نوبة واحدة، وما أن رأى عباد صاحبه عمار رضي الله عنهما مجهد، حتى طلب منه أن يعطي نفسه قسطا من الراحة وأن ينام من أول الليل على أنه حين يصحو يأخذ هو قسطا من الراحة وهكذ، وما أن اغمض عمار عينيه حتى  أتت على بال عباد رضي الله عنه فكرة بأن يملأ وقته بالصلاة فينال ثواب الصلاة والمرابطة في سبيل الله تعالى، وما أن شرع في الصلاة وانتهى من قراءة الفاتحة في الركعة الأولى حتى جاءه سهم من عدو أصاب عضده، وآثر أن يتابع صلاته، ثم ما لبث العدو أن رماه في ظلام الليل بسهم ثان وهو في الركعة الثانية، فلم يأبه له ثم ركع وسجد، ولأنّ قواه قد خارت فقد مدّ عينه وهو ساجد الى صاحبه النائم الى جواره وظل يهزه حتى استيقظ ، وما أن قام من سجوده وتلا التشهد وأتم صلاته حتى طلب من عمار أن يقم للحراسة مكانه لاصابته بسهمين متتاليين.

التفت عمار الى عبّاد رضي الله عنهما وقال: سبحان الله! هلا أيقظتني أول ما رميت يا عبّاد! فأجابه رضي الله عنه: كنت أتلو في صلاتي آيات من القرآن ملأت نفسي روعة فلم أحب أن أقطعه، ووالله لولا أن أضيع ثغرا أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم لآثرت الموت على أن أقطع تلك الآيات التي كنت أتلوها.

كان رضي الله عنه شديد الولاء والحب لله تبارك وتعالى ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وكان هذا الولاء يستغرق حياته كلها وحسه كله، ففي مواطن التضحية

والموت يكون رضي الله عنه في الطليعة، وفي مواطن الأخذ والفيئة يبحث عنه أصحابه في جهد ومشقة حتى يجدونه، وهو دائما عابدا تستغرقه العبادة، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه تقول: ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم أحد في الفضل أبدا: سعد بن معاذ، وعباد بن بشر، وأسيد بن حضير.

فضائله رضي الله عنه:

لقد عرف المسلمون الأوائل عبّأد بأنه الرجل الذي معه نور من الله تبارك وتعالى وكان اذا مشى في طريق مظلم تنبعث منه اطياف نور وضوء  تضيء له الطريق حتى بلوغه الهدف الذي يمشي اليه.

وفاته رضي الله عنه:

قبل معركة اليمامة بيوم واحد رأى في نومه رؤيا لم تلبث أن فسّرت مع شمس نهار تلك الليلة، وفوق أرض المعركة الهائلة والضارية التي خاضها المسلمون ضد معاقل المرتدين عن الاسلام بقيادة الطاغية مسيلمة الكذاب مدعي النبوة، ينضوي عبّاد رضي الله عنه واصحابه تحت لواء سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقد أبلى عباد رضي الله عنه بلاء حسنا.

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: قال لي عبّاد: يا أبا سعيد! رأيت الليلة كأن السماء قد فرجت لي ثم أطبقت عليّ، واني لأراها انشاء الله الشهادة.

وتتحقق رؤيا البطل رضي الله عنه ويسقط شهيدا في ساحة المعركة بعد أن قاتل أعداء الله تعالى، وقد وجدوا في وجهه علامات تشويه كثرة، ولولا علامة في جسده ما عرفه أحد رضي الله عنه.

فرضي الله عن عباد وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

21- عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه

  رأى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام

شهد بالله تعالى رب، وبمجرد ما سمع ببعثته صلى الله عليه وسلم قام الى صنمه وكسّره، ولجأ الى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن اسلامه وولاءه لدين الله تعالى، نترك الحديث له رضي الله عنه يحدثنا عن ذلك فيقول:

عرجنا حجاجا في الجاهلية في جماعة من قومي، فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة، حتى أضاء لي جبل يثرب وأشعر جهينة، وسمعت صوتا من النور، وهو يقول: انقشعت الظلماء، وسطع الضوء، وبعث خاتم الأنبياء، ثم أضاء لي اضاءة أخرى حتى نظرت الى قصور الحيرة وابيض المدائن، وسمعت صوتا في النور،وهو يقول: ظهر الاسلام، وكسّرت الأصنام، ووصلت الأرحام، فانتبهت فزع، فقلت لقومي: والله ليحدثنّ في هذا الحي من قريش حدث، وأخبرتهم بما رأيت.

وبعدما عدت الى بلادن، جاء الخبر بأنّ رجلا يقال له: احمد قد بعث، فخرجت حتى أتيته وأخبرته بما رأيت، فقال لي: يا عمرو بن مرّة، أنا النبي المرسل الى العباد كافة، أدعوهم الى الاسلام، وأمرهم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله وحده، ورفض الأصنام، وبحج البيت، وصيام شهر رمضان، شهر من اثني عشر شهر، فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، فآمن يا عمرو يؤمنّك الله من هول جهنم.

فقلت: أشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به، وكان لنا صنم وكان أبي سادنه، فقمت اليه فكسرته، ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم،  وقال لي مرحبا بك يا عمرو، فقلت له: بابي انت وأمي يا رسول الله، ابعثني الى قومي لعلّ الله يمنّ بي عليهم كما منّ بك عليّ، فبعثني وقال لي: عليك بالرفق واللين، والقول السديد، ولا تكن فظ، ولا متكبرا ولا حسودا.

فأتيت قومي فقلت: يا بني رفاعة، بل يا معشر حهينة، اني رسول رسول الله اليكم أدعوكم الى الاسلام، وآمركم بحقن الدماء، وصلة الأرحام، وعبادة الله وحده، ورفض الأصنام، وبحج البيت، وصيام شهر رمضان- شهر من لثني عشر شهرا- فمن أجاب فله الجنة، ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة: انّ الله جعلكم خيار من أنتم منه، وبغض اليكم في جاهلي جاهليتكم ما حببّل الى غيركم من العرب، فانهم كانوا يجمعون بين الأختين، والغزو في الشهر الحرام، ويخلف الرجل على امرأة أبيه فيتزوجه، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب، تناولا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، فما جاءني ار رجل منهم فقال: يا عمرو بن مرّة، أمّر الله عيشك، أتأمرنا برفض آلهتن، وان تفرّق جمعن، وأن تخالف دين آباءنا الشيم العلى الى ما يدعونا اليه هذا القرشي من أهل تهامة؟ لا حبا ولا كرامة.

 فقلت له: الكاذب مني ومنك أمّر الله عيشه، وأبكم لسانه، وأكمه انسانه (أعماه).

فقال عمرو بن بن مرّة رضي الله عنه: فو الله ما مات حتى سقط فوه( فمه) وعمي وخرف، وكان لا يجد طعم الطعام، فخرجت بمن أسلم من قومي حتى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فحيّاهم ورحّب بهم، وكتب لهم كتابا هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم- هذا كتاب من الله العزيز على لسان رسوله، بحق صادق وكتاب ناطق، مع عمرو بن مرة بن الجهينة بن يزيد، انّ لكم في بطون الأرض وسهوله، وتلال الأودية وظهوره، على أن ترعوا نباته، وتشربوا ماءه، على أن تؤدوا الخمس، وتصلوا الخمس، وفي الغنيمة والصريمة شاتان اذا اجتمعت، فان فرقنا فشاة شاة، ليس على أهل المثيرة( التي تثيلر الأرض) صدقة، ولا على الواردة لبقة، والله شهيد على ما بينن، ومن حضر من المسلمين.

فرضي عن عمرو بن مرة وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

22- عبادة بن الصامت رضي الله عنه

       نقيب في حزب الله

هو رجل أنصاري خزرجي، وواحدا من الاثني عشر الأنصار الذين  بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، وحيث كان الحج في العام التالي يشهد بيعة العقبة الثانية المكونة من سبعين رجلا وامراتان، رضي الله عنهم.

هو الذي نزل فيه قوله تبارك وتعالى يحييه على موقفه وولاءه لله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ولصحبه الين آمنوا معه:

ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فانّ حزب الله هم الغالبون

وهذه الآية الكريمة اعلانا صريحا لميلاد حزب الله، وأعضاءه هم أولئك المؤمنين الذين حاملين راية رسول الله صلى الله عليه وسلم راية الهدى والحق.

ان هذا الحزب لن يقتصر على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يمتد خيره للأجيال الوافدة يعدهم، والأزمة المقبلة حتى قيام الساعة، ذلك أنّ نزول آيات القرآن الكريم وما فيها من أمر وزجر ومدح وذم لا تقتصر على زمن بعينه، بل هي لكل الأزمان والأماكن الى قيام الساعة.

لقد أصبح عبادة رضي الله عنه نقيب عشيرته من الخزرج، ورائدا من رواد الاسلام، وامام من أئمة المسلمين، وعندما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتحدث عن الأمراء والولاة، أقسم بالله ألا يكون أميرا على اثنين أبد، ولقد برّبقسمه رضي الله عنه، ولم يتسلم زمام أي امارة، بل كان يعلم الناس الفقه بعد أن البلاد علما وفقها ونورا مع صاحبيه سعد بن معاذ وأبو الدرداء رضي الله عنهم.

توليه القضاء في فلسطين رضي الله عنه

كان ذلك في عهد الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه، وكان أمير تلك البلاد ذلك اليوم معاوية رضي الله عنه ، وعندما رأى عبادة اسراف معاوية في حكمه. يرنو ببصره الى ما وراء الحدود في المدينة المنورة عاصمة الاسلام ودارالخلافة، فيرى في عمر الرجل الذي لم يخلق من طرازه سوى عمر، ثم يرتد ببصره الى حيث يقيم في فلسطين فيرى معاوية رجل يحب الدنيا ويعشق السلطان.

انّ عبادة رضي الله عنه من الرعيل الأول الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم وصقله بيديه، وأفرغ  عليه من روحه ونوره وعظمته.

يقول عبادة رضي الله عنه: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نخاف في الله لومة لائم، لذا لم يخشى معاوية ولا سلطانه، وسيّف سيفه لكل أخطاؤه.

قبّح الله أرضا ليس فيها مثلك

وعلى الرغم من الحلم الواسع الرحيب الذي اشتهر به معاوية، الا أنه ضاق صدره ذرعا بمواقف عبادة، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل وجد معاوية في الرجل الذي يهد د هيبته وسلطانه، وعبادة رضي الله عنه من جانبه رأى أن هناك مسافة شاسعة تفصله عن معاوية فقال له: والله لا أساكنك أرضا واحدة أبد، وغادر عبادة رضي الله عنه فلسطين عائدا الى المدينة.

وعندما سأله أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما عن سبب عودته قائلا له: ما جاء يا عبادة؟ فقصّ عليه رضي الله عنه ما كان بينه وبين معاوية، فطلب منه عمر أن يرجع مكانه قائلا: قبّح الله أرضا ليس فيها مثلك، ثم أرسل الى معاوية كتابا جاء فيه: أن لا أمرة لك على عبادة.

أجل انّ عبادة رضي الله عنه الذي تخرّج من جامعة العقائد الاسلامية وعميدها النبي صلى الله عليه وسلم، لا يطيق أن يتأمّر عليه رجلا هو والدنيا صنوان كمعاوية، بل يفضل رضي الله عنه أن يكون أمير نفسه بنفسه ليأمن على نفسه من فتن الدنيا التي الثروة والسلطة والمال فتنته، وعندما يكرم أمير المؤمنين رجلا مثل هذا التكريم، فحتما يكون هذا الرجل عظيما بأخلاقه وبدينه وبمبادئه وعزة نفسه واستقامة ضميره وحياته ونزاهته.

أجل كل تلك الصفات الحميدة كانت في شخص ذلك الرجل الذي قال ذات يوما لأصحابه: والله لو وجدت رجلا مع امرأتي لقتلته بهذا السيف، فروى الصحابة ما قاله عبادة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة السلام: والله اني لأغير من علادة والله أغير منا.

وفاته رضي الله عنه

وفي العام الهجري ال 34 وعلى التراب الفلسطيني المقدّس، وفي مدينة الرملة تحديد، لبى عبادة بن الصامت رضي الله عنه نداء المولى عزوجل، تاركا في الحياة عبيره وشذاه.

فرضي الله عن عبادة وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

23 - عتبة بن غزوان رضي الله عنه

       فاتح البصرة وباني جامعها العظيم

هذا الصحابي الجليل الفارع الطول، المشرق الوجه، المخبت القلب، أحد السبعة السابقين الى الاسلام، وهو واحد من الرماة الأفذاذ.

كان واحدا من الذين هاجروا الى الحبشة ولكن شوقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم جعله يعود الى مكة ليبقى الى جانبه حتى أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة هاجر اليها.

أرسله عمر رضي الله عنه الى الأبنة ليفتحها وليطهر أرضها من الفرس، وقال له وهو يودعه: انطلق أنت ومن معك حتى تأتوا اقصى بلاد العرب وأدنى بلاد العجم، وسر على بركة الله ويمنه، وادع الى الله من أجابك، ومن أبى فالجزية، والا فالسيف في غير هوادة، وكابد العدو واتق الله ربك.

وما أن دخل عتبة رضي الله عنه الأبنة حتى يلقى جيشا من أعتى الجيوش قوة، وصاح في جنده: الله أكبر، صدق وعده، وكأنه كان يقرأ غيبا قريب، فما هي الا جولات ميمونة حتى استسلمت الأبنة، وطهرت أرضها من جيوش الفرس، وتحرّر أهلها من طغيان طالما أصلاهم سعير، وصدق الله العظيم وعده بنصر مؤزر للمؤمنين الصادقين.

تمركز عتبة رضي الله عنه الأبنة مدينة البصرة وعمّرها وبنى مسجدها العظيم، وهناك وقف في الناس خطيبا فقال: والله لو رأيتموني مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سابع سبعة ومالنا من طعام الا ورق الشجر حتى قرّحت أشداقن، ولقد رزقت يوما بردة فشققتها نصفين وأعطيت نصفها سعيد بن نالك ولبست النصف الآخر.

لقد قال لأهل البصرة هذا الكلام بعدما استهوتهم المناعم والشهوات، لقد حاول الكثيرون أن يحولوه عن نهجهم ويثيروا في نفسه الشعور بالامارة، ولا سيما تلك البلاد التي لم تتعوّد أن تلتقي أمراء من هذا الطراز المتقشف الزاهد، والشظف والقناعة، فكان رضي الله عنه يجيبهم: اني أعوذ بالله أن أكون في دنياكم عظيم، ولما رأى الضيق على وجوه الناس بسبب صرامته قال لهم: غدا ترون الأمراء من بعدي، وكأنه يقول لهم: لن تدركون قيمتي بينكم حتى تجربون الأمراء من بعدي.

وجاء موسم الحج، فاستخلف على البصرة أحد اخوانه وخرج حاج، ولما قضى حجه سافر الى المدينة والتقى عمر رضي الله عنهما وساله ان يعفيه من الامارة، الا أن عمر رضي الله عنه أجابه كما يجيب كل من يطلب مثل طلبه بقوله: تضعون أمانتكم فوق عنقي ثم تتركوني وحدي، والله لا أعفيكم أبدا.

ولم يكن أمام عتبة الا السمع والطاعة، وقبل أن يستقبل راحلته ليركبها رفع يده الى السماء ودعا ربه عزوجل ألا يردّه الى البصرة، ولا الى الأمارة أبد، ويستجيب الله تعالى لدعاء المضطر الصادق، حيث وبينما هو في طريقه الى العراق يدركه الموت وتفيض روحه الطاهرة الى بارئها راضية مرضية مطمئنة مغتبطة بما بذلت وأعطت، وبما انعم الله عليها من نعمة، وبما هيأ لها من ثواب.

فرضي الله عن عتبة وصلى الله وسلم على من رباه.

 

24- عروة بن مسعود رضي الله عنه

         كصاحب يس

من قرأ سورة يس يكون قد مرّ على قصة حبيب النجار الذي قتله قومه حين دعاهم  الى عبادة الله وحده والى اتباع رسولي الله عزوجل بقوله سبحانه وتعالى: وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبلعوا المرسلين

وعروة بن مسعود رضي الله عنه حدث معه نفس الشيء وقتله قومه لأنه قال الله ربي، ودعا الى عبادة الله وحده لا شريك له، ولذلك سمي كصاحب يس.

فعن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: لما أنشأ الناس الحج سنة 9 للهجرة وهي حجة الوداع، قدم عروة بن مسعود رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلم، ولما استأذنه ليرجع الى أهله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اني اخاف ان يقتلوك، اجابه رضي الله عنه: لو وجدوني نائما ما أيقظوني، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع الى قومه مسلم، فجاء ثقيف يحيونه، فدعاهم الى الاسلام، فلم يقبلوا منه ذلك واتهموه، وقتلوه، وعندما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: مثل عروة مثل صاحب يس، دعا قومه الى الله فقتلوه.

فرضي الله عن عروة وصلى الله وسلم على من رباه.

 

25- عثمان بن مظعون أبا السائب رضي الله عنه

      رجل حرّم الخمر قبل الاسلام.. ويكره أن ترى امرأته عورته

اذا أردت أن ترتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفق سبقهم في الدخول الى الاسلام، فاعلم أنك اذا وصلت الرقم 14 من القئمة فانك تصل الى عثمان بن مظعون رضي الله عنه، وهو من أصحاب الهجرات، هاجر الى الحبشة مرتين، ثم هاجر الى المدينة، وكان رضي الله عنه قد حرّم الخمر قبل الاسلام، وكان يقول: اني لا أشرب شيئا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على ان انكح كريمتي من لا أريد.

هو أول المهاجرين وفاة في المدينة وأول المسلمين دفنا في البقيع.

لقد كان راهبا عظيم، لا من رهبان الصوامع وانما من رهبان الحياة، فالحياة بكل جيوشها ومسئولياتها وفضائلها كانت صومعته.

حياؤه رضي الله عنه

أنّ الحياء شعبة من شعب الايمان، ومن سيماء الصالحين، كان رضي الله عنه، ولشدة حياءه  فقد أتى ذات يوم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا رسول الله! اني لا أحب أن ترى امرأتي عورتي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ولم؟ قال: استحيي من ذلك وأكرهه، فقال عليه الصلاة والسلام: انّ الله جعلها لك لباس، وجعلك لها لباس، ،اهلي يرون عورتي، ،انا أرى منهم. فقال متعجبا: أأنت تفعل ذلك يا رسول الله؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، فقال: فمن بعدك يا رسول الله؟ فلما أدبر رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: انّ ابن مظعون لحيي ستير.

صاحب الثلاث هجرات رضي الله عنه

هجرتي الحبشة الأولى والثانية، وهجرة المدينة المنورة.

لقد كان رضي الله عنه أمير الفوج الأول من المهاجرين الى الحبشة مصطحبا معه ابنه السائب موليا وجهه شطر بلاد بعيدة عن مكايد عدو الله أبي جهل وضراوة قريش وعذابه، وكشأن المهاجرين الى الحبشة في كلتا الهجرتين الأولى والثانية، لم يزده رضي الله عنه الا استمساكا في دين الله واعتصاما به، والحق يقال بأن هجرتي الحبشة تمثلان ظاهرة فريدة ومجيدة في قضية الاسلام، فالذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوه واتبعوا النور الذي أنزل معه، كانوا قد سئموا الوثنية بكل ضلالاتها وجهالاته، وكانوا يحملون فطرة سديدة لم تعد تستسيغ عبادة اصنام منحوتة من حجارة، أو معجونة من صلصال، وحين هاجروا الى الحبشة واجهوا فيها دينا سائدا ومنظما له أحباره ورهبانه، ومهما تكن نظرتهم اليه فهو بعيد عن الوثنية التي تركوها في بلادهم، ولا بد أن رجال الكنيسة في الحبشة قد بذلوا جهودا لاستمالة هؤلاء المهاجرين لدينهم وقناعتهم بالمسيحية دين، ومع ذلك كله بقي المهاجرين على ولائهم العميق للاسلام ولنبيه صلى الله عليه وسلم، مترقبين في شوق وقلق ذلك اليوم الذي يعودون فيه الى بلادهم الحبيبة لعبدوا الله وحده لا شريك له، ولياخذوا مكانهم خلف رسول الله صلىالله عليه وسلم.

في الحبشة عاش المسلمون آمنين مطمئنين بعد أن منحهم النجاشي رضي الله عنه ملك الحبشة آنذاك الأمن والأمان والطمأنينة وفتح بلاده لهم ليعيشوا فيها كأي مواطن من مواطنيه، وعثمان بن مظعون رضي الله عنه كان واحدا من هؤلاء النجباء الذي لم ينسى في غربته مكايد ابن عمه أمية بن خلف، وما ألحقه به وبصحبه الكرام من أذى وشر.

وبينما الصحب الكرام في الحبشة اذ تفد اليهم الأخبار أن قريش قد أسلمت، هناك حمل المهاجرون أمتعتهم وطاروا الى مكة تسبقهم أشواقهم، ويحدوهم الحنين، بين انهم ماكادوا يقتربون من مشارف مكة حتى يتبيّن لهم أن الخبر الذي بلغهم عن اسلام قريش كان ملفقا وليس صحيح، وعندما سمع مشركوا قريش بمقدم الصيد الذي طالما انتظروه، نصبوا شباكهم لاقتناصه، ولكن الجوار يومئذ كان تقليدا من تقاليد العرب ذات القداسة والاجلال، فاذا دخل رجل مستضعف جوار سيد قرشي أصبح في حمى منيع لا يهدر له دم، ولا يضطرب منه مأمن.

وهكذا دخل عثمان رضي الله عنه في جوار الوليد بن المغيرة (والد خالد رضي الله عنه)  آمنا مطمئن، ومضى يعبر دروبها ويشهد ندوات قريش،  لا يسأم خسفا ولا ضيم، الا أنّ المقام بجوار الوليد لم يطل به كثير، فابن مظعون رضي الله عنه الذي صقله القرآن ورباه النبي صلى الله عليه وسلم لا يقبل أن يكون بمأمن بجوار سادة قريش وكفارها وأصحابه ينالون الأذى والعذاب على أيديهم، يتلفت حواليه فيرى اخوانه المسلمين من الفقراء والمستضعفين الذين لم يجدوا لهم جوارا أومجير، والأذى ينوشهم من كل جانب، والبغي يطاردهم في كل سبيل، وهوآمن من كل ما يصيبهم، فتثور روحه الحرّة، وفي الليل يجيش وجدانه، فيتفوق بنفسه على نفسه، ويخرج من داره مصمما على أن يخلع جوار الوليد، وينضوي تحت لواء أصحابه الذين يتحملون الأذى في سبيل الله، لينال شرف الجهاد مع اخوانه المسلمين،  بانتظار بشائر العالم الذي سيتفجّر غدا ايمانا وتوحيدا ونورا.

لما رأى ابن مظعون رضي الله عنه من أصحابه الكرام البلاء وهو يغدو ويروح في أمان الوليد، قال: والله ان غدّوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، واصحابي وأهل ديني يلقون ما يلقون من العذاب والأذى مالا يصيبني! فمشى الى الوليد وقال له: يا أبا عبد شمس! اني أريد أن أرد لك جوارك، فقال: لم يا ابن أخي؟ لعل أحدا من قومي آذاك؟ فقال رضي الله عنه: لا.. ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن استجير بغيره،  فانطلق الى المسجد واردد لي جواري علانية.

لقد كان ابن مظعون رضي الله عنه قد فقد عينه في سبيل اعلاء كلمة الله لتشهد الحياة انسانا شامخا يعطر الوجود كله بعطره الزكي، بموقفه الفذ مع أهل الشرك والطغيان، وبكلماته الرائعة الخالدة : والله انّ عيني الصحيحة لفقيرة الى ما أصاب أختها في الله.

ويهاجر رضي الله عنه الى المدينة حتى لا يؤرقه لا أبو جهل ولا أبو لهب ولا أمية ولا عتبة ولا أحد من هذه الغيلان التي طالما أرقت ليله وآست نهاره، يذهب الى المدينة مع أولئك الأصحاب العظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في امتحان تتأهب عسرته ومشقته ورهبته.

وفي دار الهجرة يتكشف معدن وجوهر هذا الانسان وتسيتقظ حقيقته العظيمة والفريدة، فاذا هو العابد الزاهد المتبتل الأواب، الذي لم يأوي لصومعته ليعتزل فيها الحياة عن الناس، بل ليملأ الحياة عملا وجهادا في سبيل الله.

 أجل راهب الليل وفارس النهار، بل راهب الليل والنهار وفارسهما مع، فان كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الفترة من حياتهم يحملون روح الزهد والتبتل، فابن مظعون رضي الله عنه كان له عالمه الخاص في ذلك، اذ حوّل حياته كلها من ليل ونهار الى صلاة دائمة مضيئة وسكينة طويلة عذبة.

وما أن ذاق حلاوة الاستغراق في العبادة حتى همّ بتقطيع كل الأسباب التي تربط الناس بمناعم الحياة، فمضى الى أخشن الثياب ليلبسه، والى أجش الطعام ليأكله.

وذات يوم رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد وثيابه مرقعة رقّ له حاله صلى الله عليه وسلم ودمعت عيون أصحابه رضي الله عنهم، ثم قال لهم:

 كيف أنتم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، وتوضع  قصعة وترفع أخرى، وسترت بيوتكم كما تستر الكعب؟ ينبئهم النبي صلى الله عليه وسلم بكينونة حالهم من كنوز كسرى وقيصر.

 فقالوا رضي الله عنهم: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ وددنا لو يكون ذلك، فنصيب من الرخاء والعيش.

أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم: انّ ذلك لكائن، وأنتم اليوم خير منكم يومئذ.

ولقد كان ما أنبأهم به نبي لله صلى الله عليه وسلم، في العهد التي تلا عهد علي كرّم الله وجهه، العهد الأموي وما يليه الى يومنا هذا.

وما أن سمع رضي الله عنه  فم النبي صلى الله عليه وسلم الشريف ينطق بعبارة وأنتم اليوم خير منكم يومئذ حتى ازداد ابن مظعون رضي الله عنه اقبالا على شظف الحياة، خوفا من نعيم الدنيا الذي قد يطغيه ويحوله عن نهجه في العبادة والتبتل، حتى أن الرفث الى زوجته ابتعد عنه لولا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عاتبه بقوله: وان لأهلك عليك حقا لتابع انقطاعه عن النساء.

وفاته رضي الله عنه:

في السنة السادسة للهجرة المباركة لبىّ رضي الله عنه نداء مولاه تبارك وتعالى، وحزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وسالت دموعه الشريفة على خديه وعليه الصلاة والسلام يقول: الحياء خير كله، الحياء لا يأتي الا بخير.

وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الى جواره وقد أكبّ جبينه وقبّله بقبلة عطرة، وعطرّه بدموعه الشريفة التي هطلت من عينيه الودودتين صلى الله عليه وسلم، فضمخّت وجه عثمان رضي الله عنه الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات اشراقه وجلاله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا أبا السائب خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك.

فرضي الله عن ابن مظعون وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

 26- عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه

       أول من سنّ تقبيل المصحف الشريف

هو ابن عدو الاسلام أبو جهل عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أسلم بعد فتح مكة بقليل، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم فرحا ياسلامه: لا تسألني اليوم شيئا أعطيه أحدا الا أعطيتكه، فقال رضي الله عنه: فاني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكه، أو كلاما قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه، أو مقام لقيتك فيه.

فقال  النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر له كل عداوة عادنيه، وكل مسير سار فيه الى موضع يريد بذلك اطفاء نورك، واغفر له ما نال مني من عرض في وجهي أو أنفي.

فقال رضي الله عنه: أما والله يا رسول الله، لا أدع نفقة أفقتها في صد عن سبيل الله الا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قتالا كنت أقاتل في صد عن سبيل الله الا أبليت ضعفه في سبيل الله.

اسلامه رضي الله عنه

بعدما فتح المسلمون مكة وهرب المشركون منها نتيجة هدر دمهم، كان عكرمة رضي الله عنه أحد هؤلاء الفارين الى اليمن، وقد لحقت به زوجته أم حكيم رضي الله عنها حتى أدركته وهو يركب السفينة المتجهة الى اليمن، وأخبرته بالأمان الذي حصلت له عليه من النبي صلى الله عليه وسلم، فتعود به الى مكة ويعلن اسلامه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.

 أول من سنّ تقبيل المصحف الشريف

كان عكرمة رضي الله عنه كأبيه سيدا من سادات قريش في الجاهلية، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، سلمه أبو بكر رضي الله عنه امارة الجند على عمان لمحاربة المرتدين فظفر بهم، ويقال انه لم يرتكب أي ذنب بعد اسلامه، وكان يقبّل المصحف الشريف ويبكي قائلا: كلام ربي...كلام ربي! وعلى هذا أجاز الامام أحمد بن حنبل رحمه الله جواز تقبيل المصحف الشريف.

استشهاده رضي الله عنه

وكما كان اسلامه عجب، ففي استشهاده البطولة أيض، فعن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه قال: أنّ الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعياش بن أبي ربيعة رضي الله عنهم، كانوا قد جرحوا في معركة اليرموك جراحا لا يقومون معه، فدعا الحارث بن هشام بماء ليشربه، فنظر اليه عكرمة فدفع الماء اليه، فلما أخذه عكرمة نظر اليه عياش فدفعه اليه، فما وصل الماء الى عياش حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ومات، وما وصل الى أحد منهم حتى ماتولا جميعا رضي الله عنهم.

لقد سطروا بهذا المشهد أروع صور البطولة والايثار، وأكرمهم الله بجنات عرضها السموات والأرض، فهنيئا لهم هذا الاستشهاد العظيم.

من أراد ان يقرأ المزيد عنه فليذهب الى بند الصحابيات الجليلات رضي الله عنهنّ، وليختار من بينهنّ الصحابية الجليلة أم حكيم رضي الله عنها.

رضي الله عن الشهداء الثلاثة وصلى الله وسلم على من رباهم.

 

27- عمير بن وهب الجمحي رضي الله عنه

     من شيطان قريش الى حامل رسالة التبشير بالاسلام

اذا تحدثنا عن عمير بن وهب يجب أن نذكر صفوان بن أمية رضي الله عنهما.

كان رضي الله عنه في غزوة بدر واحدا من قادة قريش الذي حملوا سيوفهم ليجهزوا على الاسلام، ولأنه حديد البصر ومحكم التقدير فقد انتدبه قومه ليستطلع لهم عدد المسلمين الذي خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للقاء المشركين، وانطلق يصول بفرسه حول معسكر المسلمين، وبعد عودته قال لقومه: انهم لا يزيدون عن 300 رجل، وكان حدسه صحيح، ثم سألوه: هل وراءهم مدد؟ أجاب: لم أجد وراءهم شيء، ولكني رأيت المطايا تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فان كان لهم ذلك، فما خير العيش بعد ذلك، فانظروا رأيكم.

تأثر بقوله نفر من زعماء قريش وكادوا يجمعون رجالهم ويعودون الى مكة لولا أبو جهل الذي أفسد عليهم رأيهم، وأضرم نار الحقد في النفوس، وأوقد نار الحرب التي كان هو أول قتلاها.

شيطان قريش

كان أهل مكة يلقبونه شيطان قريش، ورغم البلاء الذي أبلاه عمير في بدر الا أنّ المسلمين تمكنوا من أسر ابنه، ومن ثم عاد مع قومه عادوا مهزومين.

اسلامه رضي الله عنه

انّ لاسلام هذا الصحابي الجليل قصة، وما أروعها من قصة، فذات يوم كان يجلس مع صفوان بن أمية الذي كان يمضغ أحقاده في مرارة قاتلة على مصرع أباه أمية بن خلف في بدر، جلس الاثنان يجترحان أحقادهم، فقال صفوان: والله ما في العيش بعدهم من خير! فقال عمير: صدقت! والله لولا دين عليّ لا أملك قضاؤه، ولولا عيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت الى محمد(صلى الله عليه وسلم)  أقتله، فانّ اي عنده علة أعتل بها عليه، فأقول: قدمت من أجل ابني الأسير.

فاغتنمها صفوان فرصة وقال له: عليّ دينك أقضيه، وعيالك هم عيالي، لهم ما لعيالي، وعليهم ما على عيالي.

اطمئن عمير لصفوان وقال: اذن اكتم شأني وشأنك.

وبينما عمر رضي الله عنه يتحدث مع نفر من المسلمين عن يوم بدر، اذ لمح عمير وقد أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا سيفه فقال: هذا الكذاب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء الا لشر، فهو الذي حرّض بيننا وبين القوم يوم بدر، ثم دخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا نبي الله! هذا عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أدخله عليّ، وبعدما أدخله قال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه يا عمر، ثم دار بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحوار التالي:

فما جاء بك يا عمير؟

جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم.

فما بال السيف في عنقك؟

قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شبئا؟

اصدقني يا عمير ما الذي جئت له؟

ما جئت الا لذلك.

وعندما لم يقل الحقيقة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا علي دين وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمد، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني له، والله حائل بينك وبين ذلك.

وأمام هذه الحقيقة يصيح عمير بن وهب رضي الله عنه يقول أشهد أن لا اله الا الله وأشهد انك رسول الله، هذا أمر لم يحضره الا أنا وصفوان، فو الله ما أنبأك به الا الله، الحمد لله الذي هداني الى الاسلام.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: فقهوا أخاكم في الدين، وأقرئوه القرآن، واطلقوا أسيره.

وهكذا انقلب عمير بن وهب رضي الله عنه من شيطان قريش الى حواري من حواري الاسلام، يقول عمر رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لخنزير كان أحبّ اليّ من عمير حين طلع علين، ولهو اليوم أحبّ اليّ من بعض ولدي.

أيّ سماحة وأيّ صفاء وأية ثقة بالنفس يحملها هذا الدين العظيم، رجل كان يكيد للاسلام ويحاربه من قبل هجرة النبي صلىالله عليه وسلم وصحبه،  وبعد عامان من الهجرة يلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة قاصدا قتله، فيشرح صدره للاسلام وبلحظة يمحو الله تعالى عنه كل سيئاته بشهادة الحق ليصبح حواري من حواري الاسلام، وفي لحظة واحدة تحول من خنزير الى صحابي جليل بقدرة الله تبارك وتعالى، وينسى المسلمون كل عداواته السابقة، ويفتحون له قلوبهم، ويأخذونه بالأحضان، ليصبح صحابي جليل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، له ما لهم، وعليه ما عليهم.

نعم انه الاسلام الذي يجب ما قبله، فيا لروعة هذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده خاتما لرسالاته السماوية بقيادة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ان صفوان بن أمية مذ غادر عمير مكة الى المدينة وهو يمشي في شوارع مكة مختالا فخور، يغشى مجالسها ومنتدياتها فرحا محبور، وكلما سأله قومه عن سبب فرحته ونشوته، يفرك كفيه في غرور قائلا لهم: أبشروا بقوعة يأتيكم نبأها بعد أيام تنسيكم وقعة بدر.

ولما طالت غيبة عمير بن وهب، خرج صفوان الى مشارف مكة يستطلع خبر عمير من الركبان القادمين من المدينة، فسأل احدهم: ألم يحدث في المدينة أمرا؟ فأجابه: بلى- لقد حدث أمر عظيم، فتهللت أسارير صفوان بهجة وفرحا وقال للرجل في عجلة المشتاق: ماذا حدث يا أخا العرب؟ فقال: لقد أسلم عمير بن وهب يا صفوان، لم يحتمل صفوان الخبر الذي وقع على رأسه كالصاعقة مما جعل الأرض تميد به وتدور من جراء هذا النبأ الصاعق الذي أنساه يوم بدر حقا كما قال لقومه.

وعاد المسافر الى داره قادما من المدينة بعدما تفقه في الدين وتعلم القرآن، عاد عمير رضي الله عنه شاهرا سيفه متحفزا للقتال، وأول من لقيه صفوان الذي كاد لياكله بين أسنانه لولا سيفه المتحفز، فاكتفى بأن القى على سمعه بعض شتائمه، ثم مضى الى سبيله.

لقد خرج عمير رضي الله عنه من مكة شيطانا وعاد اليها حواريا مسلم، دخلها في روعة وصورة عمر بن الخطاب يوم أسلم رضي الله عنه،  واتخذ شعار بن الخطاب حين صاح ذلك اليوم: والله لا أدع مكانا جلست فيه بالكفر الا جلست فيه بالايمان، نعم انه شعار كل من يسلك طريق الحق، ومن لم يفعل ذلك لا يكون ايمانه كامل، ذلك ان الاخلاص في العمل هو معيار الايمان الصادق، وهو جوهر الايمان وقضيته الأولى.

وراح عمير رضي الله عنه يعوض كل ما فاته، ويسابق الزمن ويبشر بالاسلام ليلا ونهار، جهارا وعلانية، بقلب آمن عن اقتناع كامل، بقلب هداه الله الى هداه ونوّر له قلبه بنور الايمان، وبات لسانه ينطق بكلمات تدعو الى العدل والاحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي بضعة أسابيع كان قد أنار الله تعالى به قلوبا غلفا كثيرة خرج بهم الى المدينة في موكب مهيب مشرق من المؤمنين يملئون رحابها تهليلا وتكبيرا.

فرضي الله عن عمير بن وهب وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

28- عمرو بن العاص رضي الله عنه

      محررمصر من ظلم الرومان وداهية الحرب والسلام

       وأول من أدخل الاسلام الى مصر

كان عمرو بن العاص أحد ثلاثة أتعبوا النبي صلى الله عليه وسلم بعنف مقاومتهم لدعوته وايذاءهم لأصحابه رضي الله عنهم، وراح النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم ويبتهل الى الله تبارك وتعالى أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر وينزل عقابه بهم، ولأنّ الله تبارك وتعالى بيده وحده علم الغيب ويعلم أنهم سيتبعون النور الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم فقد أنزل على قلبه قوله تعالى: ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم، فانهم ظالمون ويستوعب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أمر الله تعالى بأن يترك أمرهم اليه وحده، فاما أن يظلوا على ظلمهم فيحل بهم عذابه، واما أن يتوب عليهم فيتوبوا وتدركهم رحمته سبحانه وتعالى.

هكذا اختار الله تبارك وتعالى طريق الهداية لعمرو بن العاص رضي الله عنه وأخرجه من الظلمات الى النور، وتحوّل بقدرة قادر عزيز حكيم الى فارس من فوارس الاسلام وانتقل النبي صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى وهو راض عنه.

عمرو بن العاص لم يفتح مصر وانما فتح الطريق أمام مصر ، لقد كان رضي الله عنه حريصا على أن يباعد أهل مصر وأقباطها عن المعركة ضد الرومان، ليبقى القتال محصورا بينه وبين الرومان الذين يحتلون البلاد وينهبون خيرات أهلها.

من اجل ذلك فقد تحّث الى زعماء النصارى وأساقفتهم يدعوهم الى الاسلام، ومن يأبى فعليه أن يؤدي الجزية-الضريبة- لقاء حمايتهم في بلاد الاسلام، وبعد أن أنهى عمرو بن العاص كلمه اليهم صاح بعض الأساقفة والرهبان قائلين: انّ الرجم التي أصواكم بها نبيكم لا يوصي بها الا الأنبياء.

اسلامه رضي الله عنه

من عجائب اسلامه رضي الله عنه أنه اسلم على يد النجاشي بالحبشة، بالحوار القصير التالي بينهما يبدؤه النجاشي ملك الحبشة رضي الله عنه:

كيف   لم تؤمن به وتتبعه وهو رسول الله حقا

أهو كذلك؟

نعم، فأطعني يا عمرو واتبعه، فانه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه.

وركب عمرو بن العاص رضي الله عنه عباب البحر من فوره عائدا الى بلاده ميمما وجهه شطر المدينة المنورة ليسلم لله رب العالمين، وفي الطريق المفضية الى المدينة التقى خالد بن الوليد رضي الله عنه قادما من مكة ساعيا هو الآخر الى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الاسلام، ولم يكد النبي صلى الله عليه وسلم يراهما قادمين حتى تهلل وجهه وقال لأصحابه: لقد رمتكم مكة بفلذات أكبادها.

وتقدّم عمرو بن العاص رضي الله عنه نحو النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: أبايعك  على أن يغفر الله لي ما تقدّم من ذني، فأجابه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم:

يا عمرو بايع، فانّ الاسلام يجب ما كان قبله.

فتح مصر

لقد كان رضي الله عنه حريصا على أن يبعد أهل مصر وأقباطها عن القتال الذي نشب بينه وبين الرومان، امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم:

ستفتح عليكم بعدي مصر فاستوصوا بقبطها خير، فانّ لهم ذمة ورحما

ان أقباط مصر يدركون جيدا أنّ بينهم وبين نبينا صلى الله عليه وسلم رحم ونسب، وهذا ما أكده الأقباط لعمرو بن العاص رضي الله عنه حين دعاهم الى الاسلام، فصاحوا الأساقفة والرهبان قائلين له: انّ الرحم التي أوصاكم بها نبيكم لهي قرابة بعيدة لا يصل مثلها الا الأنبياء، وكانت هذه الصيحة بداية طيبة للتفاهم المرجو بين عمرو بن العاص والأقباط.

ولوعه رضي الله عنه بالامارة

كان رضي الله عنه ولوعا بالامارة، وكان شكله الخارجي، وطريقته في المشي وفي الحديث تحكي الى أنه خلق له، حتى أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حين رآه ذات يوم مقبلا عليه ابتسم لمشيته وقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض الا أميرا.

نعم كان رضي الله عنه أميرا ذكيا وداهية من دهاة العرب، وبقي واليا على فلسطين والأردن ثم مصر طيلة فترة حكم الفاروق رضي الله عنه.

وكان كلما اعترض عمر رضي الله عنه برجل عاجز الحيلة، صك كفيه عجبا وقال: سبحان الله! انّ خالق هذا وخالق عمرو بن العاص الها واحدا.

وفاته رضي الله عنه

وفي السنة ال 43 للهجرة لبلى نداء المولى عزوجل، وكان لا يزال واليا على مصر، وفي لحظات راح يستعرض رحلة حياته كله، ثم قال: كنت أول أمري كافر، وكنت أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو مت يمئذ لوجبت لي النار، وعندما بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن في الناس أحب اليّ ولا أجلّ في عيني منه،  ولو سئلت أن أصفه ما استطعت، لأني لم أكن أقدر أن أملأ عيني منه اجلال، ولو مت يومئذ لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم بليت بعد ذلك بالسلطان وبأشياء لا أدري أهي لي أم عليّ! ثم رفع بصره الى السماء في ضراعة وأمل ورجاء يناجي ربه الكريم ، الرحمن الرحيم العظيم قائلا: اللهم لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، والا تدركني رحمتك أكن من الهالكين، وظل لسانه يردد بهذه الكلمات العطرات حتى صعدت روحه الى بارئه، وكان آخر كلمته لا اله الا الله ليتحقق فيه قوله صلى الله عليه وسلم: من كان آخر كلامه لا اله الا الله دخل الجنة.

وتحت ثرى مصر التي مهّد لها عمرو بن العاص طريق الاسلام وعبدّه لأهلها ثوي رفاته رضي الله عنه، وفوق أرضها الصلبة لا يزال مجلسه حيث كان يعلم ويقضي ويحكم، قائما عبر القرون تحت سقف مسجده العتيق جامع عمرو بن العاص، أول مسجد في مصر يذكر فيه اسم الله تعالى الواحد القهار، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

فرضي الله عن ابن العاص وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

                                                                  جمع ودراسة : سمير السعدي

ملاحظة: الرجاء من جميع القراء من يجد أي خطأ في نصا قرآنيا أو حديثا نبويا فليرسل بالخطأ الى أصحاب الموقع وجزاه الله خير، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الدال على الخير وفاعله، نفعنا الله واياكم بما يصلح حالنا وغفر لنا جميعا وأدخلنا في مستقر رحمته انشاء الله عزوجل.

Google
الدال على الخير كفاعلة انشر الموقع لتعم الفائدة للجميع