موقع سنابل الخير  

مدونة محمد بن حمد الشهري  مساحة اعلانية 
الزهور للأعلانات  مساحة اعلانية 

شريط لحفظ القرآن الكريم

Google

الصفحة الرئيسية

صفحة الصحابة

مدرسة الصحابة رضي الله عنهم

    بسم الله الرحمن الرحيم      

       مدرسة الصحابة رضي الله عنهم

الجزء الثاني من مدرسة الصحابة

   من حرف الثاء الى حرف الخاء

                                               

                                                                       

1- ثعلبة بن عبد الرحمن رضي الله عنه

       رجل قتلته خشية الله

هذه القصة للاعتبار والعظة فقط ومن لم يعتبر بها فلن يعتبر بغيرها، ذلك أننا غارقين بذنوبنا آناء الليل وأطراف النهار دون أن تهتز لنا شعرة واحدة، على حين من امتلآت قلوبهم من خشية الله يقنلهم ذنبا،  ان مرّ علينا مثله  يمر مرّ الكرام دون أن نأخذ له بالا، وصاحب قصتنا من قتلته خشية الله رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم دله على آية من كتاب الله تعالى موجبة في غفر الذنوب.

ثعلبة بن عبد الرحمن رضي الله عنه هو أحد الذين منّ عليهم ووفقهم  بعمل جليل ألا وهو خدمة النبي صلى الله عليه وسلم شأنه شأن أنس بن مالك وربيعة بن مالك وغيرهم الكثير من الصحابة الكرام الذين خدموه صلى الله عليه وسلم.

ذات يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم قد ابتعثه بمهمة ليقضي له حاجة، وفي طريقه لقضائها مرّ بباب من الأنصار فلمح امرأة تغتسل، فوسوس له الشيطان أن يقف عندها لينظر اليها، وما أن انتهت  من غسلها حتى تكون مفاصلة قد ارتجفت ارتعادا خوفا من عودته الى النبي صلى الله عليه وسلم ويكون أمين السماء ووحيها جبريل عليه السلام قد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بما فعل بتجسسه على زوجة أحد الأنصار وهي تغتسل، لأجل ذلك، ولجل ألا يقف موقفا مشينا أمام حضرة النبي صلى الله عليه آثر ألا يعود اليه، ولم يعد حتى الى منزله بل فرّ الى أحد الجبال ودخل كهفا بين مكة والمدينة واختبأ فيه، ومكث قرابة الأربعين يوما وهو يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

يتنزل وحي السماء جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا له: يا محمد انّ ربك يقرئك السلام ويقول لك: انّ رجلا من أمتك في الجبال يتعوّذ بي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر وسلمان الفارسي رضي الله عنهما انطلقا فأتياني بثعلبة، فخرجا رضي الله عنهما الى الجبال بحثا عنه، وعندما لم يعثرا عليه  سألا أحد رعاة المدينة عنه يقال له زفافة، فسأله عمر رضي الله عنه: هل لك بعلم عن شاب بين هذه الجبال يا زفافة يقال له ثعلبة؟ فقال: لعلك تريد الهارب من جهنم! فقال له عمر رضي الله عنه: وما علمك انه هارب من جهنم؟ اجابك لأنه اذا جاء جوف الليل خرج من بين هذه الجبال واضعا يديه على رأسه وينادي: ياليتك قبضت روحي في الأرواح وجسدي في الأجساد ولم تجددني ليوم القضاء، فدله زفافة عليه، وما أن رآه عمر رضي الله عنهما حتى احتضنه، ثم قال له ثعلبة: أوعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنبي؟ اجابه عمر رضي الله عنه: لا علم لي الا أنه أرسلنا اليك أنا وسلمان، فقال: يا عمر لا تدخلاني عليه الا وهو في الصلاة، وبعد ان انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قالا له: هذا هو ثعلبة يا رسول الله!

فنظر اليه النبي صلى الله عليه وسلم، نظرة اشفاق ورحمة، والحوار التالي يبيّن مدى الرحمة النبوية التي اغتبطت ثعلبة رضي الله عنه:

مالذي غيّبك عنا يا ثعلبة؟

ذنبي يا رسول الله.

أفلا أدلك على آية تغفر الذنوب والخطايا؟

بلى يا رسول الله!

قل: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 ثم امر النبي صلى الله عليه وسلم  له بالانصراف الى منزله.

أيام ثمانية تمر على ثعلبة وهو في حمى شديده، وما أن بلغ النبي صلى الله عليه مرض ثعلبة حتى زاره، وما أن دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجلس اليه حتى وضع النبي صلى الله عليه وسلم رأس ثعلبة رضي الله عنه في حجره الشريف صلى الله عليه وسلم، الا أن تعلبة رضي الله عنه رفع ثعلبة رأسه عن حجر رسول الله عليه وسلم ، الأمر الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم يسأله:

 لم رفعت رأسك عن حجري يا ثعلبة؟

لأنه مليء بالذنوب يا رسول الله.

ما تشتكي يا ثعلبة؟

مثل دبيب النمل بين عظمي ولحمي وجلدي.

ما تشتهي يا ثعلبة؟

مغفرة ربي.

واذ بوحي السماء جبريل عليه السلام يتنزّل على النبي صلى الله عليه وسلم قائلا له: يا محمد! انّ ربك يقرئك السلام ويقول لك: لو أنّ عبدي هذا لقيني بقراب الأرض خطايا للقيته بقرابها مغفرة.

وعندما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بمغفرة ربه له، صاح صيحة الموت وغاب على أثرها عن الحياة.

وعند تشييعه رضي الله عنه الى مثواه الأخير، سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم: لقد رأيناك تمشي على رؤوس أصابع قدميك يا رسول الله! اجاب عليه الصلاة والسلام: والذي بعثني بالحق نبيا ورسولا ما استطعت أن اضع قدماي على الأرض من كثرة ما انزل الله من الملائكة لتشيعه.

فرضي الله عن ثعلبة وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

 2-  ربيعة بن مالك رضي الله عنه

     خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم

تخرّج هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه من جامعة العقائد الاسلامية  التي كان المصطفى صلى الله عليه وسلم عميدها، مثله مثل غيره من الصحابة الكرام، فقد كان ربيعة رضي الله عنه خادما للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان تلميذا نجيبا ومخلصا في حبه لله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ورغم فقره وحاجته رضي الله عنه فقد كان غني النفس متواضعا ذليلا لله تعالى، ومن تواضع لله تعالى رفعه الله وأعزّه، وبعزة نفسه وقناعتها كان ربيعة رضي الله عنه الدنيا بأسرها، هكذا هي القناعة كنز لا يفنى، وهكذا هي تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قليل يكفيك خير من كثير يطغيك، قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، هذه العبارات الجميلة واللطيفة كان النبي صلى الله عليه وسلم دوما ينصح بها أصحابه الكرام رضي الله عنهم، وربيعة رضي الله عنه أحد هؤلاء وقد أخذها بأذان القلب ليترجمها في حركاته وسكناته حتى غدت عنوانا له في حياته.

ذات يوم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم: يا ربيعة سل ما تشاء أفعله لك!

ماذا طلب ربيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل طلب أن يغنيه وهو رضي الله عنه الأحوج الى المال من غيره؟ هل طلب العز والسلطان أم طلب الملك؟  لا...وألف لا... لم يطلب شيئا من كل هذا اطلاقا رغم علمه علم اليقين بأنه لو طلب الدنيا بأسرها لذللها الله تعالى بين يديه بدعوة من نبيّه صلى الله عليه وسلم تماما كما حققها الله تعالى لحمامة المسجد ثعلبة من حاطب من قبل.

اذا ما ذا طلب هذا الغني النفس ربيعة بم مالك رضي الله عنه؟ لقد طلب طلبا لا يخطر أبدا على بال، طلبا عزيزا نحن نحسبه بسيطا، ولكنه عند الله أثقل من جبال موجودات الدنيا قاطبة، انه مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، قائلا: أريد مرافقتك في الجنة سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك يا ربيعة؟

أجابه: لا يا رسوله هو ذاك.

فبماذا ردّ علي المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ قال له صلى الله عليه وسلم:

 أعني على نفسك بكثرة السجود ياربيعة تكن رفيقي في الجنة.

نصيحة غالية قدمها النبي صلى الله عليه وسلم الى كل فرد من أمته الى يوم الدين عن طريق ربيعة بن مالك رضي الله عنه.

أعني على نفسك بكثرة السجود يا ربيعة تكن رفيقي في الجنة.

انها النوافل التي قال الله تبارك وتعالى عنها في حديث قدسي طويل:.... وما زال عبدي يتقرب اليّ بالنوافل حتى أحبه.........

 انها النوافل التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى لله تعالى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة.

انها صلاة الأوابين ... صلاة من يرجون رحمة الله... صلاة الليل والتهجد والخوف والحاجة والاستسقاء والتوبة، انها كل سجدة ما عدا الفريضة.

أعني على نفسك بكثرة السجود يا ربيعة تكن رفيقي في الجنة.

انها دعوة مفتوحة الى يوم القيلمة لكل من يرغب بمرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.

نعم ان كثرة السجود التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ربيعة بن مالك هي صلاة النافلة، والنافلة هي كل صلاة ليست فريضة، هي جميع صلوات التطوع.

ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من السنن الراتبة المقرونة بالفرائض اثنتي عشرة ركعة لقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

كان يصلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر أربعا في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يرجع الى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يرجع الى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي العشاء ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، واذا طلع الفجر صلى ركعين، ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر.

ان صلاة المرء في بيته نور، ولا تنار البيوت الا بصلاة النوافل، وأي بيت لا يصلى فيه فهو كالقبر أو أقرب.

هكذا كان ربيعة رضي الله عنه ومن هم على نهجه، ولأنهم أخلصوا العمل والنية لله تعالى فقد تركوا الدنيا ومباهجها وزينتها وبريق معدنها وزخارفها وراءهم، فهم العقلاء الذين باعوا الدائم بمنقطع.

فرضي الله عن ربيعة وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاه.

 

3- زيد بن الخطاب رضي الله عنه

     رجلا مجبولا على بغض النفاق  

انه شقيق الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأسبق منه الى الاسلام وشهادة في سبيل الله تبارك وتعالى، وكان همه الوحيد قتل رجّال بن عنقوة.

من هو الرجّال بن عنقوة؟

الرجّال بن عنقوة كانأحد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه ارتد عن الاسلام.

ذات يوم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله جماعة من أصحابه الكرام اذ أطرق النبي صلى الله عليه وسلم لحظات ثم قال: انّ فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من جبل احد.

وظلّ الخوف والرعب من الفتنة في الدين يلح على جميع من سمع تلك النبوءة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل منهم يخشى على نفسه ان يكون هو المقصود، الا أنّ جميع من وجّه اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ختم الله لهم بخير واستشهدوا جميعا في سبيل الله ولم يبق منهم حيّا سوى أبو هريرة رضي الله عنه والرجّال بن عنقوة.

وبقي أبو هريرة رضي الله عنه مرتعد الفرائص خائفا أن تصيبه نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يهدأ بال ولم تطمئن نفسه حتى ارتد الرجّال بن عنقوة عن الاسلام ولحق بمسيلمة الكذاب.

وحانت ساعة الصفر

وشوق زيد بن الخطاب رضي الله عنه للقاء الرجّال يزداد يوما بعد يوم، ينتظر ساعة الصفر للانقضاض عليه والاجهاز على حياته الخبيثة، ذلك أنّ الرجّال في رأي زيد رضي الله عنه لأن ارتداده لم يكن ارتداده عن قناعة وانما عن وصولية حقيرة ونفاق بغيض هزيل، وزيد رضي الله عنه مجبول على بغض النفاق والمنافقين ومن والاهم، تماما كأخيه الفاروق رضي الله عنهما.

انّ زيد رضي الله عنه يرى في الرجّال أكثر خطورة من مسيلمة نفسه، فمسيلمة معروف لدى الجميع أنه مدعي النبوة وكذاب وأفاك أثيم، بينما الرجّال الذي كان أحد صقور الاسلام لهو أشد فتنة وخبثا من مسيلمة.

وما أن لاحت ساعة الصفر لزيد رضي الله عنه حتى ظفر بالرجال في ساحة معركة حروب الردة بقيادة خالد بن الوليد وانقض عليه بضربة سيف أرداه قتيلا ليعلو صوت الحق الله أكبر.

فرضي الله عن زيد وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

4- حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

    أول رئيس لجهاز أمن الدولة الاسلامية

هو عدو النفاق وصديق الوضوح، ورجل بهذه المواصفات وهذا الطراز لا بد أن يكون ايمانه بالله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وثيقا ولا بد أن يكون ولاءه لله تعالى ةرسوله صلى الله عليه وسلم عميقا.

 أفنى حياته على دراسة الشر والأشرار والنفاق والمنافقين، ومنذ أن جاء هو وأخوه بصحبة أبيهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنق ثلاثتهم الاسلام، والاسلام يزيد من موهبته مضاء وصقلا، فلقد عانق دينا قويا ، نظيفا شجاعا،  قويا عنوانه الصدق، لا يعرف الجبن ولا النفاق.

وهكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار،والنفاق والمنافقين، يقول حذيفة رضي الله تعالى عنه وأرضاه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وأنا أساله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت له: يا رسول الله! انا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال:

نعم!

وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال صلى الله عليه وسلم:

نعم!  وفيه دخن.

وما دخنه؟ أجاب صلى الله عليه وسلم:

قوم يستنون بغير سنتي ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر.

وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال صلى الله عليه وسلم:

نعم! دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم اليها قذفوه فيها.

يا رسول الله! فماذا تأمرني ان أدركني ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم:

تلزم جماعة المسلمين وامامهم.

فان لم يكن لهم جماعة ولا امام؟ قال صلى الله عليه وسلم:

تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك.

ويقول رضي الله تعالى عنه: انّ الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فدعا الناس من الضلالة الى الهدى، ومن الكفر الى الايمان، فاستجاب له من استجاب، فأحيا بالحق من كان ميتا، وأمات بالباطل من كان حيا، ثم ذهبت النبوة، وجاءت الخلافة على منهاجها، ثم يكون ملكا عضوضا، فمن الناس من ينكر بقلبه ولسانه ويده أولئك استجابوا للحق، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق، ومنهم من ينكر بقلبه كافا بيده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الايمان، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميت الأحياء.

 ويتحدّث عن القلوب فيقول رضي الله عنه: القلوب أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق، وقلب أجرد، فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه نفاق وايمان، فمثل الايمان كمثل شجرة طيبة، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها قيح ودم، فأيهما غلب، غلب.

 ويتحدّث عن اللسان الذرب فيقول رضي الله عنه: جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله! انّ لي لسانا ذربا على أهلي، واخشى أن يدخلني النار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فأين أنت من الاستغفار؟ اني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة.

أمين الأسرار

نعم انه حافظ أسرار النبي صلى الله عليه وسلم، وأمين سر وحي السماء جبريل عليه السلام، وعندما املى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين لم يأتمن النبي صلى الله عليه وسلم أحدا الا حديفة رضي الله عنه، حيث وقبل أن ينتقل النبي صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى بقليل كان قد سلمه قائمة سبعة عشر منافقا  كي يكونوا من بعده صلى الله عليه وسلم حذرين منهم من ناحية، وكي اذا مات أحد منهم بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى لا يصلي عليه أحد من المسلمين من ناحية أخرى  تنفيذا لأمر الله عزوجل: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره.

اتقاء الفتنة

ويعلمنا رضي الله عنه كيف نتقي الفتنة فيقول: انّ الفتنة تعرض على القلوب، فأي قلب شربها نكتت فيه نكتة سوداء، فان أنكرها،  نكتت فيه نكتة بيضاء، فمن أحب منكم أم يعلم أصابته الفتنة أم لا!  فلينظر، فان كان يرى حراما كان يراه حلالا، أو يرى حلالا  كان يراه حراما فقد أصاب.

وهذا تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات. وقوله صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك وان أفتاك الناس أو أفتوك.

عمر يبكّي حذيفة رضى الله عنهما

عندما علم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قد سلم حذيفة قائمة بأسماء سبعة عشرة منافقا، لم يستطع النوم طيلة الليل، فخرج من بيته وذهب الى بيت حذيفة رضي الله عنهما ، وقال له: لقد علمت ما علمت، أستحلفك بالله يا حذيفة أأسمي بينهم؟ فبكى حذيفة رضي الله عنه طويلا ثم قال: ان كان اسمك بينهم فماذا نقول عن أنفسنا يا عمر؟

فرضي الله عن حذيفة بن اليمان وصلى الله وسلم وبارك على من ربّاه.

 

 5-  حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه

 أسد الله وسيد الشهداء، وعم وأخ النبي صلى الله عليه وسلم بالرضاعة

هو عم الرسول  صلى الله عليه وسلم وأخيه بالرضاعة ، نشآ معا وتآخيا معا، وسارا على الدرب معا من اول خطوة، ولئن كان شباب كل منهما قد مضى في طريق مختلف لبعض الوقت،الا أنهما في نهاية المطاف سلكا دربا واحدا، فحمزة رضي الله عنه كان قد فسح له مكانا بين زعماء قريش وساداتها، وتزاحم على طبقات الحياة، بينما النبي صلى الله عليه وسلم، عكف على أضواء روحه التي انطلقت تنير له الطريق الى الله تبارك وتعالى.

اسلامه رضي الله عنه:

ان حمزة رضي الله عنه خير من عرف النبي صلى الله عليه وسلم، وصدق دعوته وعظمة سجاياه، فما كان الشك يساورقلبه أبدا، وهو وغيره قد عرفوه منذ طفولته الباكرة، الى شبابه الطاهر، الى رجولته السامقة بالصادق الأمين ما تبدلت هاتين الصفتين في أي فترة من فترات حياته صلى الله عليه وسلم.

كان حمزة رضي الله عنه يتمتع برجاحة العقل وقوة الارادة الى جانب قوة الجسم، وذات يوم وهو عائد من الصيد لقيته خادمة لعبد الله بن جدعان وقالت له: انّ ابن أخيك محمد قد شتمه أبو جهل، ومضت تشرح له ما فعله أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يكاد رضي الله عنه يبلغ الكعبة حتى يبصر أبو جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش، وفي هدوء رهيب تقدّم رضي الله عنه من أخيه واستل قوسه وهوى به على رأسه فشجّه له وأدماه ، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة رضي الله عنه في أبي جهل: أتشتم محمد وأنا على دينه أقول ما يقول؟ رد ذلك عليّ ان استطعت، وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الاهانة التي نزلت بزعيمهم أبو جهل والدم ينزف من رأسه، وشغلتهم تلك الجملة التي وقعت عليهم جميعا كالصاعقة بأنه على دين محمد (صلى الله عليه وسلم).

هكذا أعلن سيد الشهداء رضي الله عنه اسلامه، أعلنه في لحظة من لحظات الحمية والغضب والانفعال ولم يهن عليه أن يساء ابن أخيه أو يهان خاصة وهو صلى الله عليه وسلم لم يؤذ أحدا طيلة حياته، وكما أعز الله الاسلام بعمر بن الخطاب أيضا أعزه باسلام أسد الله رضي الله عنهما.

أسد الله في بدر

ان أول سرية خرج بها المسلمون للقاء العدو كان أميرها حمزة رضي الله عنه، وأول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد المسلمين كانت لحمزة رضي الله عنه، ويوم التقى الجمعان في  بدر كان جمزة رضي الله عنه أسد الله في المعركة.

وتعود فلول قريش الى مكة في هزيمة نكراء وخيبة أمل، ورجع أبو سفيان منكس الرأس وقد مات في المعركة معظم زعماء قريش وساداتها-  أبوجهل، وأمية بن خلف، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، والأسود بن عبد الله، والعاص بن سعيد، والنضر بن الحارث، وطلحة بن عدي، والعشرات من رجال قريش وصناديدها .

وجاءت غزوة أحد، وخرجت قريش عن بكرة أبيها ومعها حلفاؤها من قبائل العرب بقيادة أبو سفيان، ومرة أخرى يكون هدفهم رجلين: رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمه الحمزة رضي الله عنه، وقد اختارت قريش العبد الأسود الوحشي لاغتيال حمزة رضي الله عنه، ولعبت هند بنت عتبة زوجة أبو سفيان دورا كبيرا في اغراء الوحشي  لقتل حمزة رضي الله عنه، ذلك أن رغبة الانتقام منه ملحة كونه قد قتل أباها وعمها وأخيها وابنها في معركة بدر، وتسخر هند كل طاقتها لانجاز مهمتها، ووعدت الوحشي ان نجح في مهمته أن تعتقه وتعطيه عقدها الثمين الذي تزيّن به عنقها، ويسيل لعاب الوحشي لهذين العرضين المغريين، وجاءت المعركة، ولندع الوحشي يصف لنا ما تبقى من السيناريو فيقول:

كنت عبدا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة فقلما أخطىء الهدف، فلما التقى الجمعان، خرجت أنظر حمزة حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق، عندئذ هززت حربتي، حتى اذا صوبتها نحوه قذفتها نحوه فأصابته لتخرج من بين رجليه، ونهض نحوي فغلب علي أمره ثم مات، ومن ثم تقدمت هند نحو حمزة رضي الله عنه وأمرتني أن أخرج لها كبده، ولما فعلت، ناولتها كبده بيمناي فناولتني قرطها بيسراها مكافأة لي على انجاز مهمتي، ومن ثم رأيتها تمضغ كبده لتشفي غليلها وحقدها وغلها، ولما لم تستطع مضغه أخرجته من فمها، ولا أدري ما تلك الرغبة المسعورة التي انتابنتها في تلك اللحظة.

 وأقمت في مكة حرا حتى اذا دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح هربت الى الطائف، وحين خرج وفد من الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم عليه، قلت في نفسي ألحق بالشام أو اليمن، فقال لي رجل: ويحك! انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل أحدا من الناس يدخل دينه، فدخلت المدينة فلم يرني الا قائما أمامه أشهد شهادة الحق، فلما رآني قال: أحوشي أنت؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: حدّثني كيف قتلت الحمزة، ولما فرغت من حديثي اليه قال: ويحك! غي!ب عني وجهك، فكنت أتنكب طريقه صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله تعالى اليه.

ولما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب في معركة اليمامة خرجت معهم، واخذت معي نفس الحربة التي قتلت بها حمزة رضي الله عنه وقتلت بها مسيلمة الكذاب، وان كنت قتلت بحربتي خير الناس فاني لأرجو أن يغفر الله لي اذ قتلت بها شر الناس.

فرضي الله عن حمزة وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 6-  حنظلة بن أبي عامر الراهب رضي الله عنه

       عريس السماء

    من غسلته الملائكة عليهم السلام بعد استشهاده

الشهيد لا يغسّل ولا يكفّن، وانما يدفن بثيابه التي استشهد فيها، ولا يغسّل لأن الغسل للأموات، والشهيد ليس بميت، وانما هو حي عند ربه يرزق، لقوله تعالى:

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون

ويسأل سائل: اذن لم الملائكة عليهم السلام غسّلت حنظلة بعد استشهاده؟ فنقول له: أن الملائكة عليهم السلام غسّلت حنظلة غسل الجنابة وليس غسل الشهادة. كان حنظلة قد زفّ الى عروسه الصحابية الجليلة جميلة بنت أبي بن سلول (زعيم الشرك والنفاق) في الليلة التي سبقت ليلة غزوة أحد، وفي صبيحة يوم الزفاف كان حنظلة أول المعسكرين مع النبي صلى الله عليه وسلم على سفوح جبل أحد استعدادا للقاء المشركين.

كل المحبين يتمنون لو يبقون الى جانب من أحبوا، يتمنون لو يزرعون الأرض ورودا لمن أحبوا، يتمنون لو رسموا قلوب حب حمراء صغيرة على أغصان الشجر وحفروا عليها أسمائهم ضمن قلب حب مرسوم يخترقه سهم يدل على قوة الحب الذي يربط قلبيهما، الا حنظلة لم يتمنى ذلك بل كانت أمنيته أن ينال ثواب الجهاد في سبيل الله دون أن يعلم أن الملائكة ستزفه عريسا الى الملأ الأعلى ويبدله الله أهلا خيرا من أهله، وعروسا خيرا من عروسه.

في هذه الليلة التي صبحها معركة أحد، يستأذن حنظله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن يبيت عند زوجته، وهو لا يعرف تحديدا ان كانت تلك الليلة، ليلة  لقاء بزوجته أم ليلة وداع، ويأذن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم لحنظلة بالمبيت عند عروسه.

أيّ سرّ تخفيه تلك الليلة عن حنظلة وقلب زوجته يحترق حنينا وشوقا على زوجها الذي لم تقضي معه سوى ليلة الزواج؟ وأيّ لواعج شوق تبثها الزوجة لزوجها في الليلة الأولى التي أعقبت ليلة زواجها؟ ها هي العروس تذرف أفراحا من دموع، تمسك بزوجها كضيف يوشك أن يرتحل، كطيف تراه ولا تملكه، تبكي بأنين محشرج وكأنها تستشعر لوعة الفراق، وليس عجبا على جميلة أن تفعل ذل وهي التي رأت رؤيا قبل زفافها بأيام قليلة لم يطمئن لها قلبها، فيضمها اليه ويطمئنها بحبه العظيم لها، وكأنه يضم كل صور الحب التي عرفها المحبون على مدار التاريخ، يضمها ليحتوي الحب السماوي الخالد الأبدي السرمدي ليذيبه في حبه البشري الفاني، أجرى حنظلة كل تلك الحسابات العاطفية في قلبه وعقله وهو لا يدري أنها الليلة الأخيرة.

 ومع نسمات الفجر الأولى يؤذن مؤذن الجهاد بأن حيّ على الجهاد...حيّ على الجهاد.. وما أن سمع منادي الجهاد يحث المجاهدين على الجهاد حتى وثب من فراشه وثوب الأسد على فريسته ، حتى أنه لم يمنح نفسه فرصه لأن يغتسل غسل الجنابة خشية أن تفوته بركات الجهاد، ومن بين دموع الحبيبة وأشواق الفؤاد ينطلق الفارس المغوار الى ساحة الوغى والشرف، الساحة التي ستنقله الى عالم أبدي سرمدي خالد لا موت فيه.

انطلق حنظلة المجاهد عريس البارحة، يحمل سلاحه ليلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسوّي صفوف المجاهدين، ومع وصوله يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصفّ قلوبا للبيع في سبيل الله، ويدخل حنظلة سوق الجنة، ويحتدم القتال ويشتد، وينتصر الباعة في بداية المبيع، وحين يترك الرماة مواقعهم، حين يتحول الباعة الى مشترين، يضطرب قانون المعركة وميزانها، ويعيد المشركون تنظيم صفوفهم والمسلمون في غفلة يبحثون عن الفيء والغنائم، يتقدم المشركون بظلامهم الكثيف، ليفاجئوا بأنّ هناك قلوبا لا زالت تصمم على البيع، من تلك القلوب قلب حنظلة الراهب رضي الله عنه، ويصمد مع نبي الرحمة والسلام صلى الله عليه وسلم، ليبرهن أنه لا زال على ولاءه وحبه العظيم لله تعالى ولنبيه صلى الله عليه وسلم، لا زال على العهد والوفاء الذي قطعه على نفسه لأن يكون مخلصا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لا زال يخجلنا في بطولته الفائقة والتي سبقت كل تصوّر، انه يتقدّم نحو أبو سفيان بن حرب، يسرع نحوه، ليضرب فرسه من الخلف، ويسقط أبو سفيان من على فرسه ويوقعه  البطل المغوار أرضا، وبوقوعه كأنه أسقط الباطل الذي سرق أمن وسلام كل مسلم، الباطل الذي يطارد فكره، ويصادر عقيدته، الذي حرمه من زوجته جميلة، وحرم جميلة منه،  وهنا يدركه شداد بن الأسود ويعين أبا سفيان على حنظلة، فيقتل أحدهما القلب الطاهر برمية رمح غادرة نافذة، عندها يقول أبو سفيان حنظلة بحنظلة،  يقصد بذلك أنه أخذ بثأر ابنه الذي قتل يوم بدر، ولكن شتان ما بين الحنظلتين؟ حنظلته يتقلب في الجحيم، وحنظلتنا رضي الله عنه تزفه ملائكة الرحمن ليكون عريس السماء.

ويرحل عنا حنظلة البطل، ويبقى مسك دمه ليعطر أرواحنا النتنة الصدئة التي أصابها الوهن حتى أوهنت، يحمل الينا نسمات الجنة لتوقظ في نفوسنا النائمة، وتشحذ هممنا وتنعشها ان كان لا زال فينا همم، علنا يوما نمتطي صهوة جياد الشهادة، ونترجّل على خيول الأمنيات.

يا لروعة عرسك يا حنظلة! يا لروعة دمك الطاهر المعطر يا حنظلة! يا لروعة الحياة الأبدية السرمدية حول عرش الرحمن تبارك وتعالى يا حنظلة! يا لروعة الملتقى مع الأحبة الذين سبقوك الى رضوان الله تعالى عليهم في قصور من ذهب لا تعب فيها ولا نصب!

وتتطهر الأرض بدماء المحبين، دماء حنظلة فوق كل الأرض، يصبغها حبا بكل الألوان، بمزيج من الحب، أطياف وألوان من الحب، حب الله تبارك وتعالى، ذلك الحب الخالد الذي لا يخبو أبدا، ذلك الحب الذي ظل يعتمل في نفسه وينتصرعلى كل ألوان الحب الأخرى، الحب الذي يبقى يتألق ويتوهج انتصارا في روحه رضي الله عنه حيا وميتا، ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة فهنيئا لك الجنة يا حنظلة! وهنيئا لك: ربح البيع يا حنظلة! وهنيئا لك: حب النبي صلى الله عليه وسلم، وحب الاسلام لأبطاله، وحب اخوانك وحب الخير لأهل الخير، وحب الوطن لأبناءه المخلصين، وتمسّك عروسك تلك الليلة وكأنها على مواعد مع القدر في أن تكون تلك الليلة  وداع وليست لقاء، وايا كانت تلك الليلة، فالسماء تبقى تمطرعشقا بحبات مطر دامية، حتى تلحق بك عروسك انشاء الله.

انتهت المعركة، وعرض المتاجرون مع الله بضاعتهم، حملوا قلوبهم على أكفهم، ليقبل الله من يشاء ويرد من يشاء، هم يوقنون بأنّ الصدق والاخلاص من أنفس البضائع،  ودوما من يصدق الله ويخلص له فليس بخاسر أبدا.

الصحابة يتحلقون حول جسد حنظلة رضي الله عنه وهو مسجى على أرض المعركة، تتلمّس أيديهم الحزينة جسده المخضّب بالدماء العطرة التي تفوح منها رائحة المسك، ويعجبون لقطرات الماء وهي تنساب من على جبينه الطاهر وتتساقط من خصلات شعره كحبات لؤلؤ  بدت وكأن السماء تمطر عشقا.

والحقيقة أن تلك القطرات ظلت لغزا عصيّا على الفهم، حتى سمع الصحابة الكرام صوت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعذوبة بالغة:

 اني رأيت الملائكة تغسّل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحائف من فضة.

 ألم اقل لكم أنّ السماء تمطر عشقا؟

وظلت قبيلة الأوس التي ينتمي اليها العريس الشهيد تفاخر بحنظلة البطل وتقول: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا عاصم بن ثابت ذلك البطل الذي حمته الدبابير من المشركين، ومنا خزيمة بن ثابت من أجيزت شهادته في سبيل الله بشهادتين، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن.

والحقيقة أن حنظلة رضي الله عنه يظل فخرا ووساما على صدر البشرية كلها، كلها، كلها،  وليس على الأوس وحدهم، ذلك أنه تخطى جميع جميع جميع الحواجز، وتجاوز كل التقاطعات، وقطع جميع اشارات المرور الحمراء على مفترق شوارع العالم بأسره، ليلة أن  غادر دفء الفراش وانسل من جانب عروسته في ليلته الأولى والأخيرة،  ليلبي نداء حي على الجهاد، ليزف عريسا للمرة الثانية في ليلة واحدة، ومن من البشر من سبق له أن زفّ عريسا مرتين في ليلة واحدة؟ لا أحد..لا أحد سوى حنظلة، هو فقط رضي الله عنه من حظي بها على مدار تاريخ البشرية كلها الماضية واللاحقة والحالية.

ان جميلة وبعدما علمت ما علمت من الكرامة التي حظي بها زوجها الشهيد أيقنت صدق الرؤيا التي رأتها، عندها اطمأنت ولم يعد  يهمها ان كان حنظلة قريبا منها أم بعيد، فمن يحظى بقرب الله عزوجل يكون قد سمى الى العلياء، لقد استبشرت باستشهاده خيرا أن سبقها لذلك العالم الجميل الى جنات الخلد ليؤثث لهما بيت الزوجية في الجنان العلى، فمن يطول ان يكون في ضيافة الرحمن تبارك وتعالى؟

لا زالت تروي لجيرانها الرؤيا التي رأتها قبيل زفافها بأيام، وكيف الرؤيا صدقتها؟ لقد رأت وكأن السماء قد انطبقت على الأرض، وسرعان ما انفرجت حين شعرت بدخوله فيها، ولما دخلها أطبقت من جديد.

ويبدو أن تلك الرؤيا أفزعت جميلة لحد أن رأت فيها ظلالا من الغموض والخوف، لدرجة أنها أرسلت أربعة من قومها تشهدهم أنّ حنظلة دخل بها، وما فعلت ذلك الا لتتقي همز الناس ولمزهم،  فيما لو أثمرت تلك الليلتين عن بشارة تحملها السماء، لتقلدها وسام زوجة شهيد، بل وأم ابن شهيد.

فأيّ عذوبة تلك التي كانت تظلل ليل حنظلة؟ وأيّ عريس ذاك الذي استقبلته السماء؟ وأي عرس ذاك الذي أقيم في الملكوت الأعلى؟ واي عطور عطرت ثواني ودقائق وساعات هذا البطل المقدام؟ وأي شرف ذاك الذي ناله حنظلة؟

من يرغب بمعرفة المزيد عن زوجته السيدة جميلة بنت أبي بن سلول رضي الله عنها فليتصفح بحث الصحابيات الجليلات رضي الله عنهنّ وأرضاهنّ.

فرضي الله عن حنظلة وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

 

7- حسان بن ثابت رضي الله عنه

     شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم

حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك رضي الله عنهم، ثلاثتهم كانوا شعراء النبي صلى الله عليه وسلم.

والشعر ليس كله حرام، وانما المحرم منه ما يتداخله ذم وهجو ومدح لأجل عرض من عروض الدنيا، هو الذي يتداخله نفاق وكذب ودجل، لهذا فقد حرم الله تبارك وتعالى الشعر من هذا النوع بقوله تبارك وتعالى: والشعراء هم الغاوون * الم تر انهم في كل واد يهيمون* وأنهم يقولون ما لا يفعلون* واستثنى من هذا النوع من الشعراء الذين يؤمنون بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد ختم الله عزوجل سورة الشعراء بقوله:

الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

ليكون هناك شعراء مستثنون من الغواية.

خوضه في قصة الافك

كان رضي الله عنه قد خاض مع ممّن خاضوا في حادثة الافك الشهيرة ، حين رمى أهل الافك والبهتان من المنافقين السيدة أم المؤمنين عائشة الطاهرة المطهرة بما قالوه عنها من الكذب البحت، والفرية التي غار الله عزوجل لها لينزل الله عزوجل دليل براءتها من سابع سماء قرآنا  يتلى الى يوم القيامة:

انّ الذين جاؤوا بالافك عصبة منكم ، لا تحسبوه شرا لكم، بل هو خير لكم، لكل امرىء منهم ما اكتسب من الاثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم.

ولقد جاء قول الله عزوجل مواسيا لأبو بكر وأهل بيته رضي الله عنه، وما قوله عزوجل الا ظهار شرف للنبي صلى الله عليه وسلم وأبيها رضي الله عنه  باعتناء الله تبارك وتعالى بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث أنزل براءتها بقرآن عظيم تتلى آياته الى يوم القيامة، وبدأ المسلمون يدخلون عليها رضي الله عنها مهنئين ببراءتها، ذلك أن الظلم شره مستطير، وظلمات يوم القيامة.

والعصبة الواردة بقوله تعالى هم جماعة المنافق الملعون الى يوم الدين رأس الكفر والنفاق عبد الله بن أبي بن سلول الذي أذاع وشيّع الفاحشة، حتى أنه كان تمكن من ادخال التهمة في أذهان بعض المسلمين، وبقي الناس يتداولون هذا الأمر فيما بينهم قرابة الشهر في الوقت الذي لم  يوحى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شان عائشة رضي الله عنها، ولم يوقف الناس عن الخوض بسيرتها رضي الله عنها حتى نزلت براءتها من رب العزة تبارك وتعالى ، والذي تولى كبره منهم هو عبد الله بن أبي بن سلول.

والذين خاضوا في أمر السيدة عائشة رضي الله عنها ثلاثة من الصحابة كما أظهرت الروايات هم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش أخت المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنهم، وقد أظهرت الروايات والله أعلم  أنه قد تيب على من تكلم من المؤمنين في ذلك، واقيم الحد على من أقيم عليه.

فرضي الله عن حسان بن ثابت وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

8- خالد بن الوليد بن المغيرة رضي الله عنه

     سيف الله المسلول

أبوه هو الوليد بن المغيرة أعدى أعداء النبي صلى الله عليه وسلم والاسلام، وقد مات كافرا، وخالد شارك المشركين قتالهم للمسلمين كل الغزوات التي سبقت فتح مكة.

اسلامه رضي الله عنه

أسلم هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة رضي الله عنهم في يوم واحد قبل فتح مكة بأيام قليلة، ونترك الحديث لخالد رضي الله عنه يحدثنا عن اسلامه فيقول: لما أراد الله بي من الخير قذف في قلبي الاسلام وحضرني رشدي، فقلت: قد شهدت المواطن كلها ضد النبي صلى الله عليه وسلم، وليس في موضع أشهده الا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأنّ محمد صلى الله عليه وسلم سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان، فقمت بايذاءه وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم، ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه العصر- صلاة الخوف- فوقع ذلك منا، وقلت: الرجل ممنوع، فاعتزلنا وعدل عن سير خيلنا، وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية، ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي: أيّ شيء بقي؟ أين أذهب؟ الى النجاشي أذهب وهو قد اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده آمنون؟ أم الى هرقل فيخرجني من ديني الى النصرانية أو الى اليهودية؟ أم أقيم بين العجم؟ أم أبقى في داري ممن بقي لي من حياة؟ وأنا في ذلك، اذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء، فغيّبت ولم أشهد دعوته، وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء، فطلبني فلم يجدني، فكتب اليّ كتابا جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم- أما بعد، فاني أرى أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام، وقد سألني عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أين خالد؟ فقلت: ياتي به الله، فقال: مثله جهل الاسلام؟ ولو كان جعل نكايته وحده من المسلمين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره، فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة.

فلما جاءني كتابه نشطت للخروج (أسرعت) وزادني رغبة في الاسلام، وسرّني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، فخرجت في بلاد خضراء واسعة وقمت في المدينة، فلقيني أبو بكر رضي الله عنه، فال: مخرجك الذي هداك الله للاسلام، والضيق الذي كنت فيه من الشرك، فلما قررت لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: من أصاحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب! اما ترى ما نحن فيه؟ انما نحن كأضراس وقد ظهر محمد صلى الله عليه وسلم على العرب والعجم، فلو قدمنا اليه واتبعناه فان شرفه لنا شرف، فأبى صفوان أشد الاباء، وقال: لو لم يبقى غيري ما اتبعته أبدا، فافترقنا، فلقيت رجلا قتل أخوه وابوه في بدر(عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه) فقلت له ما قلت لصفوان فقال لي مثلما قال، فخرجت الى منزلي، لإامرت براحلتين، فخرجت بهما الى أن لقيت عثمان بن طلحة فذكرت ما ذكرت لصفوان وعكرمة فأسرع بالاجابة، فأدلجنا سحرا قبل طلوع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا الى الهدّة،  فوجدنا بها عمرو بن العاص، فقالك مرحبا بالقوم! فقلنا: وبك، فقال: الى أين مسيركم؟ قلنا: الدخول في الاسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ما الذي أقدمكما الا الذي أقدمني، فذهبنا جميعا حتى دخلنا المدينة، فعلم بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسرّ بنا، فقال لي اخي الوليد: اسرع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سرّ لقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا بالمشي فاطلعت عليه،  فما زال يبتسم اليّ حتى سلمت عليه سلام النبوة، فردّ عليّ السلام بوجه طلق، وقلت: اشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله، ثم قال لي: تعال! الحمد  لله الذي هداك، قد كنت أرى عقلا رجوت أن لا يسلمك الا الى خير، فقلت: يا رسول الله! اني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق، فادع الله أن يغفرها لي! فقال صلى الله عليه وسلم: الاسلام يجبّ ما قبله، اللهم اغفر لخالد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله، ثم تقدّم عثمان بن طلحة وعمرو بن العاص، فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في صفر  سنة 8 للهجرة. 

بعد ان اسلم خالد رضي الله عنه بات رمزا من رموز الاسلام، وبات يتحدى جبابرة العالم ويهدد أمنهم وعروشهم وممالكهم، وان ابوا الدخول في الاسلام فرض عليهم  الجزية عن يد وهم صاغرون، وهذه بعضا من رسائله رضي الله عنه الى ملوك العالم.

سيف الله المسلول

أتذكرون ابطال مؤتة الثلاثة رضي الله عنهم: زيد بن الحارثة، جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة؟ تلك الغزوة في أرض الشام والتي حشد لها الروم 200 الف مقاتل، والتي أبلى فيها المسلمون بلاء منقطع النظير، ألا زلتم تذكرون العبارة التي  نطق بها الفم الشريف فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه قائلا:

 أخذ الراية زيد فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم اخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها سيف الله المسلول ففتح الله على يديه.

يومها كان خالد رضي الله عنه جنديا عاديا تحت أمرة الشهداء الثلاثة رضي الله عنهم الذين سبقوه الى المجد والعلياء، وبعد سقوط الشهيد الثالث على ساحة الشرف يحمل الراية ثابت بن أقوم رضي الله عنه ويرفعها عالية وسط الجيش المسلم حتى لا تعم الفوضى صفوف المسلمين بعد استشهاد قادتهم الثلاثة، ولم يكد ثابت يحملها حتى توجه بها مسرعا الى خالد رضي الله عنهما قائلا له: خذ الراية يا أبا سليمان! لم يجد خالد انه من حقه أخذها وهو حديث عهد في الاسلام، لقد وجدها كبيرة أن يحملها ويقود قوما فيهم أنصارا ومهاجرين ممن سبقوه للاسلام وبأعوام كثيرة.

ادب وتواضع وعرفان ومزايا، هو لها ابن الوليد رضي الله عنه، وبها جدير ، وبعد أن هتف الجميع له، اخذ خالد الراية، واعتلى العبقري جواده ودفع الراية بيمينه الى الأمام كأنه يقرع أبوابا مغلقة آن لها أن تفتح، وتولى امارة الجيش بعد أن كان مصير المعركة قد تحدّد، فضحايا المسلمين كثير، وجناحهم مهيضا، وجيش الروم في كثرته الساحقة كاسح ظافر مدمدم، ولم يكن بوسع خالد رضي الله عنه أن يغيّر من المصير شيئا فيجعل الغالب مغلوبا، والمغلوب غالبا، كل ما كان بوسعه فعله أن يوقف الخسائر في جيش الاسلام، والخروج ببقيته سالما، اي الانسحاب الوقائي الذي يحول دون هلاك بقية القوة المقاتلة على أرض المعركة، بيد أنّ انسحابا كهذا كان من الاستحالة بمكان، ولكن اذا صحّ فانه لا مستحيل على القلب الشجاع، وان لم يكن خالدا شجاعا، فمن أشجع منه رضي الله عنه؟ ومن أروع عبقرية وأنفذ بصيرة منه؟ هناك تقدم سيف الله المسلول يرمق أرض المعركة الواسعة بعينيين ثاقبتين كعيني الصقر، ويدير الخطط في بديهية سريعة كسرعة الضوء، ويقسم جيشه والقتال دائر الى مجموعات، ويوكل الى كل مجموعة مهامها، وراح يستعمل ذكاءه ودهاءه البليغ حتى فتح في صفوف الروم ثغرة فسيحة واسعة خرج منها جيش المسلمين كله سليما معافى بعد أن نجا من كارثة مؤكدة ما كان لها من زوال، وفي هذه المعركة أنعم النبي صلى الله عليه وسلم على خالد بهذا اللقلب العظيم.

فتح مكة

وتنكث قريش عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتحرك المسلمون لفتح مكة، وعلى الجناح الأيمن من الجيش يجعل النبي صلى الله عليه وسلم خالدا رضي الله عنه أميرا، ويدخل مكة كواحد من قادة الجيش المسلم، بعد أن امضى سنوات قائدا لجيش الوثنية والشرك.

وترتج مكة ارتجاجا كالزلزال بالتهليلات الباهرة الظافرة، فيبدو الكون كله وكأنه في عيد، لقد تحققت المعجزة، والزاحفون الظافرون يكبرون ويهللون فرحين مستبشرين: الله اكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله العظيم بكرة وأصيلا، وعد الله لا يخلف الله وعده.

ثم يحني رأسه رضي الله عنه شاكرا لأنعم الله تبارك وتعالى الذي هداه للاسلام، وجعله في يوم الفتح العظيم هذا واحدا من الذين يحملون راية الاسلام الى مكة.

رسائله الى ملوك العالم: فارس، أهل المدائن، والى هرمز

- بسم الله الرحمن الرحيم- من خالد بن الوليد الى رستم ومهران وملأ الفرس- سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأنا ادعوكم الى الاسلام، فان أبيتم فأعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، فان أبيتم فانّ معي قوما يحبون القتل في سبيل الله كما تحب فارس الخمر، والسلام على من اتبع الهدى.

هذه هي الرجال التي يجب ان تطاع، فالعدو لا يفهم الا لغة الحديد والنار، ولغة والحديد لا تكون الا من القوة المستمدة من العزيز القهار، ذلكأن  الله تعالى لا ينصر الخنوع والجبان، وانما يذله من اعداءه، وهذا هو حالنا اليوم بعدما ابتعدنا قطعنا حبل الله المتين، كتاب الله وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، أمران ما ان تمسكنا بهما لن نضل أبدا ولكن هيهات هيهات وقد وضعناهما على الأرفف للغبار.

اسلام جرجة واستشهاده رضي الله عنه

في معركة اليرموك خرج أحد أمراء الروم الكبار ويدعى جرجة من الصف وطلب مقابلة خالد رضي الله عنه ودار بينهما الحوار التالي:

 هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد الا هزمته؟  أجابه رضي الله عنه بلا.

اذن فيم سميت سيف الله المسلول؟

ان الله بعث فينا نبيا، منا من صدقه ومن كذبه، فكنت انا فيمن كذبه، فلما هداني الله وبايعته قال لي: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لي بالنصر، فسميت بسيف الله المسلول، وأنا من أشد المسلمين على المشركين.

 يا خالد الام تدعو؟

 الى شهادة أن لا اله الا الله وأنّ محمدا رسول الله، والاقرار بما جاء به من عند الله عزوجل.

 فمن لم يجبكم؟

فالجزية ونمنعهم.

فان لم يعطها؟

نؤذنه بالحرب ثم نقاتله.

فما منزلة من يجبكم ويدخل في دينكم؟

فمن دخل في ديننا منكم بحقيقة ونيّة صادقة كان أفضل منا.

بالله لقد صدقتني ولم تخادعني، ثم مال على خالد رضي الله عنه وقال له: علمني الاسلام.

فمال به خالد رضي الله عنه الى فسطاطه وشن عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين، وهكذا بات جرجه مسلما يقاتل في جيش المسلمين واستشهد في نفس المعركة ولم يصلي سوى الركعتين التي صلاهما مع خالد رضي الله عنه.

منزلة مقاتلي أحد

ذات يوم شكا عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد رضي الله عنهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم: يا خالد! لا تؤذ رجلا من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهبا لم تدرك عمله. فقال له خالد رضي الله عنه: يقعون فيّ فأرد عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا تؤذوا خالدا فانه سيف من سيوف الله صبّه (أو سله) الله على الكفار.

وفاته رضي الله عنه

على الرغم من أنه لم يبقى في جسده موضع شبر الا وفيه طعنة خنجر، او طعنة رمح، ،أو ضربة سيف، ومع ذلك لم يرزقه الله الشهادة على ساحة الشرف، لذا عندما حضرته رضي الله عنه الوفاة، قال قولته المشهورة:

ها أنا أموت على فراشي كما تموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.

فرضي الله عن خالد، وصلى الله وسلم وبارك على من سماه بسيف الله المسلول. 

9- خالد بن سعيد بن العاص بن أمية رضي الله عنه

     أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم

بعدما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى أراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يجعل خالد أميرا على احد الأقاليم الواقعة تحت قيادته، فاعتذر رضي الله عنه، وقال: لا أعمل لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا.

اسلامه رضي الله عنه

أسلم رضي الله عنه نتيجة رؤيا شاهد فيها يوم القيامة، ولنترك الزبير بن العوام رضي الله عنه يروي لنا القصة فيقول: كان اسلام خالد قديما، وكان أول أخوته دخولا في الاسلام، وكان بدء اسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف على شفير النار، وانّ أباه يدفعه فيها، ويرى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بحقويه (خصره) لئلا يقع، ففزع من نومه، وقال: أحلف بالله أنّ هذه الرؤيا حق، فلقي أبابكر رضي الله عنه وذكر له رؤياه، وقال له: أريد بك خير، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعه، فالاسلام يحجزك أن تدخل فيها، وابوك واقع فيها.

وعندما علم أبوه باسلامه أرسل في طلبه، فأتي به، فأنبه وضربه بسوط في يده حتى كسره على رأسه وقال له: اذهب يا لكع (يا لئيم) وقال له: والله لأمنعنك القوت، فقال له خالد:ان منعتني فانّ الله يرزقني ما أعيش به، وانصرف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلزمه ويكون معه.

وعندما علم أنّ اباه على فراش الموت، عاده من باب الصلة والبر، فقال أبوه: لئن رفعني الله من مرضي هذا، لا يعبد اله ابن أبي كبشة ببطن مكة أبدا، فقال رضي الله عنه: اللهم لا ترفعه، فتوفي سعيد بن العاص في مرضه ذاك.

كان خالدا رضي الله عنه وأخوه عمرو قد هاجرا الى الحبشة، ولما قدموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد مرّ على معركة بدر قريبا من العام، فحزنا كونهما لم يشهدا بدرا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما تحزنون! انّ للناس هجرة واحدة، ولكم هجرتان، هاجرتم حين خرجتم الى صاحب الحبشة، ثم جئتم من عند صاحب الحبشة مهاجرين اليّ.

من أراد أن يقرأ المزيد عن هذا الصحابي الجليل فليذهب الى ركن الصحابيات الجليلات في نهاية البحث فقرة أم خالد القرشية رضي الله عنها.

فرضي الله عن خالد بن سعيد وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

10- خبيب بن زيد رضي الله عنه

     رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مسيلمة الكذاب

 هو ابن زيد بن عاصم، ومن السبعين المبايعين بيعة العقبة الثانية، والمرأتان اللتين بايعتا مع السبعين، احدهما امه نسيبة بنت كعب احدى والثانية خالته، وثلاثتهم من المقطوع لهم بالجنة انشاء الله.

رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مسيلمة

في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ادعى رجلان النبوة، أحدهما مسيلمة الكذاب من جنوب الجزيرة العربية، والآخرالأسود بن كعب العنسي من صنعاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تلقى رسالة مسيلمة جاء فيها:

من مسيلمة رسول الله  الى محمد رسول (صلى الله عليه وسلم) سلام عليك.

 اما بعد،

فاني قد أشركتك في الأمر وان لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم يعتدون.

فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه الكاتبين وأملى عليه رده على مسيلمة اللعين: بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد رسول الله (صلى اللله عليه وسلم) الى مسيلمة الكذاب

السلام على من اتبع الهدى، أما بعد،

فانّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين

وجاء رد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة التي زلزلت كيان مسيلمة كله، جاءت عليه كفلق الصبح حين فضحته ككذاب بني حنيفة اللعين الذي ظنّ أنّ النبوة ملكا لا وحيا، وراح يطالب بنصف الأرض ونصف العباد، ووقع اختيار النبي صلى الله عليه وسلم على حبيب بن زيد ليحمل رسالته الى مسيلمة الكذاب.

وسافر حبيب مغتبطا بالمهة الجليلة التي أوكله بها سيد البشرية قاطبة صلى الله عليه وسلم، وبلغ المسافر غايته وفضّ مسيلمة الرسالة التي أعشاه نورها فازداد ضلالة وغرورا، ولم يكتفي لعنه الله بذلك، بل أذاق حبيب بن زيد أشد العذاب بهدف سلبه شجاعة روحه فيبدو متخاذلا مستسلما مسارعا للايمان به فقال له:

 أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟

 نعم انه رسول الله

 وتشهد أني رسول الله؟

اني لا أسمع شيئا مما تقول

تحولت عندها صفرة الخزي والعار على وجه مسيلمة الى سواد حاقد مجبول بعدما أدرك انّ العذاب لم يؤثر به، فهاج كالثور الأهوج المذبوح ونادى جلاده وأمره أن يقطع جسده قطعة قطعة، وعضوا عضوا، والبطل العظيم يردد شعاره: لا اله الا الله محمدا رسول الله، ويبلغ رسول الله نبأ استشهاد رسوله الكريم، ويصطبر صلى الله عليه وسلم لحكم ربه، فهو يرى بنور الله تبارك وتعالى مصير هذا المسيلمة الكذاب، ويكاد يكون مصرعه رأي العين.

أما أمه رضي الله عنها فقد ضغطت على أسنانها طويلا ثم أطلقت يمينا لتثأر لولدها من قاتل ابنها اللعين ولتغوص في لحمه الخبيث برمحها وسيفها، ويدور الزمن دورته، وتأتي الموقعة الخالدة موقعة اليمامة، ويجهز أبو بكر رضي الله عنه خليفة النبي صلى الله عليه وسلم الأول جيش الاسلام الذاهب الى اليمامة بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه لمقاتلة مسيلمة وجيشه، وخرجت أم البطل رضي الله عنهما مع الجيش ودخلت المعركة وسيفها بيمناها لتبرّ قسمها بالثأر، وبيسراها رمح، ولسانها لا يكف عن الصياح: أين عدو الله مسيلمة، وما أن هوى الوحشي على   مسيلمة بضربة قاتلة وبنفس الرمح الذي قتل فيه الحمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم، ومان أن علم أتباعه بمقتل قائدهم حتى سقطوا كالعهن المنفوش لترتفع رايات الاسلام عزيزة ظافرة، عندها وقفت نسيبة أم حبيب الشهيد شامخة وقد تجلى لها وجه ولدها حبيب الله يملأ الزمان والمكان وسط الرايات الخفاقة المنتصرة الضاحكة المستبشرة.

فرضي الله عن حبيب بن زيد وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

  11-  خبيب بن عدي رضي الله عنه

       أول رجل في تاريخ العرب  يقتل فوق الصليب

        وأول رجل تبلعه الأرض بعد موته

 والآن افسحوا لهذا البطل المقدام والشجاع وتعالوا من كل صوب ومن كل مكان، تعالوا مسرعين وخاشعين لتتعلموا درسا في التضحية والفداء لا يقل شجاعة واقداما عن صاحبه حبيب الذي تناولنا سيرته قبل قليل رضي الله عنهما.

فيا أصحاب العقائد في كل أمة وبلد، ويا عشاق الأديان والايمان تعالوا بغروركم وانظروا آية العزّ والمنعة والثبات والفداء والولاء، وانظروا جثمان من هذا المصلوب على خشبة الصلب في منطقة التنعيم على أطراف مكة المكرمة؟ وفي أي شيء صلبوه لعنهم الله؟

انه رضي الله عنه خبيب بن عدي!  احفظوا هذا الاسم الجليل جيدا وأنشدوه ، فانه شرف لكل انسان ، من كل دين، من كل مذهب، وفي كل زمان ومكان.

انه رضي الله عنه أحد أوس المدينة وأنصارها، كان عذب الروح، شفاف النفس، وثيق الايمان، ريّان الضمير.

لقد كان كما وصفه حسان بن ثابت رضي الله عنهما صقرا توسط في الأنصار منصبه، سمع الشجيّة محصنا غير متوشب.

شجاعته  رضي الله عنه

ولما رفعت غزوة بدر اعلامها كان هناك جنديا باسلا ومقاتلا مقداما جندل جميع المشركين الذين وقعوا في طريقه وعلى رأسهم الحارث بن عامر بن نفيل، ، وبعد انتهاء المعركة وعودة البقايا المهزومة من قريش الى مكة عرف بنو الحارث مصرع أبيهم وتوعدوا لقاتله.

وبعد المعركة وعودة المسلمون من بدر الى المدينة، تابع المسلمون المثابرة على بناء مجتمعهم الجديد،  كان خبيب عابدا زاهدا ناسكا، اقبل على العبادة بروح عاشق يقوم الليل ويصوم النهار، ويقدّس الله رب العالمين.

موقفه بعد الأسر رضي الله عنه

كان أحد الصحابة العشرة الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم ليتقصوا أخبار المشركين بعدما وصلته عليه الصلاة والسلام أخبارا مفادها أنهم ينوون غزو المسلمين ثارا لقتلاهم في بدر، وكان امير العشرة عاصم بن ثابت، والذي استشهد هو وسبعة من رفاقه رضي الله عنهم بعد معركة وطيسة الحمى بينهم وبين اكثر من 100 فارس من فرسان المشركين على مشارف مكة، وتم أسر خبيب بن عدي وزيد رضي الله عنهما،  وهكذا مضى ثمانية من أعظم المؤمنين ايمانا وأوثقهم عهدا وأوفاهم ذمة لله تبارك وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

وقادهما الرماة البغاة الى مكة حيث باعوهما لمشركيها، ودوّى اسم خبيب بن عدي رضي الله عنه في الآفاق، وتذكر بنو الحارث بن عامر قتيلهم في بدر، وجاشت الأحقاد في الصدور من جديد، وسارعوا الى شراءه.

لقد كان رضي الله عنه مقبلا على نسكه، ثابت النفس، رابط الجأش، معه من سكينة الله التي أفاءها عليه ما يذيب الصخر ويلاشي الهول، كان الله تبارك وتعالى معه، ومن يكن في معية الله فلا يهاب ولا يخاف أحدا الا الله، ومن لا يخاف الله فكل شيء يخيفة حتى البعوضة وهي تشاركه غرفة نومه، وشعار خبيب وجميع صحابته رضي الله عنهم المخلصين هو: كن مع الله ولا تبالي، ومن يحمل شعارا كهذا حتما تكون عين الله تبارك وتعالى تحرسه.

رزق الله الكريم

دخلت عليه احدى بنات الحارث يوما وهو أسير لديهم فخرجت من عنده مسرعة الى الناس تناديهم كي يبصروا عجبا، وقالت لهم: والله لقد رأيته يحمل قطفا كبيرا من العنب يأكل منه وهو موثق بالحديد وما بمكة كلها ثمرة عنب واحدة، ما أظنه الا رزقا رزقه الله خبيبا، لقد صدقت ابنة الحارث، ألم يكن زكريا كلما دخل على مريم عليهما السلام يجد عندها رزقا؟ وعندما سألها عليه السلام من أين لك هذا يا مريم؟ أجابته: انه من عند الله، انّ الله يرزق من يشاء بغير حساب، والله تبارك وتعالى ينصر عباده الذين ينصرونه وما خبيبا الا واحدا من أولياء الله الصالحين وكان  على الله حقا نصر المؤمنين.

أجل! لقد آتاه الله عزوجل ما آتى مريم بنت عمران عليها السلام من قبل، فأي منزلة لهذا البطل الصنديد، والعبد المطيع المخلص بعبادته للمعبود رب العباد؟

وحمل المشركون الى خبيب مصرع صاحبه زيد رضي الله عنه، ظانين أنهم بهذا سيسحقون ارادته وأعصابه، وما كانوا يعلمون أنّ الله الرحمن الرحيم قد استضافه، وأنزل عليه سكينته ورحمته تبارك وتعالى، وراحوا يساومونه على ايمانه ويلوّحون له بالنجاة ان هو كفر بدين محمد عليه الصلاة والسلام، لكنهم كانوا كمن يبيع الماء في حارة السقايين.

ولما يئسوا من قوة ايمانه وصلابته قادوه بطلا الى مصيره وخرجوا به الى مكان يسمى التنعيم، قريببا من مكة، واختاروا ذلك المكان ليشهد مصرع البطل، وما أن بلغوا المكان حتى استأذنهم رضي الله عنه ليختم حياته بركعتين لله تعالى.

ما هذا الانسان الذي أمامنا؟ من منا في موقف كهذا ياتي على باله ما أتى على بال خبيب؟ ان كنا نحن مرضى وطريحي الفراش بنزلة زكام حادة ربما لا نقوم بالفروض، ولكن ليس عجبا من فعل انسان كخبيب قلبه معلق بالله  عزوجل، ومن  تعلق قلبه بالله تعالى فهذا يعني أن الله يحبه، ومن احبه الله أدخل حصنه، ومن دخل حصن الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

 ونعود الى جلادي هذا البطل المقدام الذين أذنوا له بالصلاة  ظانين أنه قد يجري خلال الصلاة مع نفسه حوارا ينتهي باستسلامه، ويعلن الكفر بدين محمد عليه الصلاة والسلام، ويقف خبيب رضي الله عنه بين يدي الله تبارك وتعالى بكل خشوع وطمأنينة وأمن وسلام شحنت روحه الطاهرة بقوة حلاوة الايمان مما جعلته يتمنّى لو يظل يصلي ويصلي ويصلي، وبعد أن أنهى رضي الله عنه صلاته التفت صوب قاتليه وقال لهم: والله لولا تحسبوا أنّ بي جزعا من الموت لازددت صلاة، ثم رفع يديه الى السماء وبدأ يناجي ربه سبحانه وتعالى قائلا: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ثم تصفح وجوههم في عزم وراح ينشد:

 ولست أبالي حين أقتل مسلما                      على أيّ جنب كان في الله مصرعي

بطلا فوق الصليب

انّ خبيب بن عدي رضي الله عنه هو أول رجل في تاريخ العرب يصلب ويقتل فوق الصليب، وأوثق المشركون يديه ببطء ووحشية مقصودة للنيل من عزيمة البطل المصلوب، وما زادهم غيظا هو أنه رضي الله عنه لم تغمض له عين ولم تغادر السكينة العجيبة المضيئة في وجهه، واستعد الرماة يشحذون رماحهم، وبدأت الرماح تنوشه والسيوف تنهش لحمه، وفي هذا الموقف الرهيب والعصيب يتقدّم منه أحد زعماء قريش قائلا له: أتحبّ أن يكون محمدا مكانك وأنت سليم معافى في أهلك يا خبيب؟

فأجابهم اجابة البطل الصنديد العملاق بكل ما تحمله الأرض من قوة ايمان، وانتفض انتفاضة الاعصار صائحا به بكل قوة وعنفوان: والله! ما أحب! أنّ في اهلي وولدي معي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشوكة.

الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! على كل من طغى وتجبر، انها نفس النشيد السماوي الذي تغنى به زيد من قبله وهم يهمون بقتله رضي الله عنه، ما أجلك وما أعظمك يارب عندما تتجلى على عبادك الصادقين وتلهمهم بكلمات باهرة صادعة تصدع وتقهر الأفاكين، كلمات زيد بالأمس يقولها خبيب اليوم رضي الله عنهما،  مما جعلت أباسفيان يضرب كفا بكف ويقول مشدوها: والله! ما رأيت أحد يحب أحدا كما يحب أصحاب محمد محمدا( صلوات ربي وسلامه عليه)

نعم! انه الله تبارك وتعالى الذي يأبى الا ويتم نوره ولو كره الكافرون.

بليع الأرض

عندما رفع خبيب رضي الله عنه الى جذوع النخل التي صنع منها صليبا، كان خبيب رضي الله عنه قد يمّم وجهه شطر السماء، وابتهل الى ربه العظيم قائلا: اللهم انا قد بلغنا رسالة رسولك، فلبغه الغداة ما يصنع بنا، ويستجيب الله تعالى لدعاء أولياءه المظلومين، وبينما النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة اذ غمره احساس وثيق بأنّ أصحابه في محنة، وتراءى له صلى الله عليه وسلم جثمان أحدهم معلقا، ومن فوره دعا المقداد بن عمرو والزبير بن العوام رضي الله عنهما وركبا فرسيهما ومضيا يقطعان الأرض وثبا، الى أن جمعهما الله تعالى بالمكان المنشود، وأنزلا جثمان صاحبيهما حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمه تحت ثراها الطيب.

عبير يفوح من الجثمان المصلوب 

وقريبا من المشهد كانت تحوم طيور وصقور كأنها تنتظر فراغ الجزارين وانصرافهم حتى تقترب هي فتنال من الجثمان الطاهر وجبة شهية، الا أنها سرعان ما تناءت وتجمعت وتدانت مناقيرها كأنها تتهامس وتتبادل حديث النجوى فيما بينها، وفجأة طارت تشق الفضاء وتمضي بعيدا بعيدا، وكأنها شمّت بحاستها وغريزتها عبير رجل صالح أوّاب يفوح من الجثمان المصلوب.

وعادت جماعة الشرك الى أوكارها الحاقدة في مكة، وبقي الجثمان الشهيد الطاهر تحرسه فرقة من القرشيين حملة الرماح والسيوف.

وأختم حديثي عن هذا البطل المقدام بما رواه الضحاك رحمه الله فقال:

أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أرسل المقداد والزبير في أنزال خبيب عن خشبته التي صلبه عليها المشركون، فلما وصلا الى التنعيم، وجدا حوله أربعين رجلا نشاوى (سكارى) فأنزلاه، وحمله الزبير على فرسه وهو رطب لم يتغيّر فيه شيء، فلحق به المشركون، فقذفه الزبير عن الفرس فابتلعته الأرض.

لا أحد حتى اليوم يعرف أين قبر خبيب بن عدي رضي الله عنه، ولعلّ ذلك أحرى وأجدر، حتى يظل مكان هذا البطل في ذاكرة التاريخ، وفي ضمير الحياة:

     بطلا فوق الصليب

فرضي الله عن خبيب وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

12- خبّاب بن الأرث رضي الله عنه

     سيّاف الجاهلية، ورائد التضحية والفداء في الاسلام

هذا الصحابي الجليل هو خبّاب بن الأرث رضي الله عنه سيافا لأهل مكة، أي كان يصنع السيوف لأهل مكة ويرسل بها الى الأسواق.

وعلى غير العادة التي كان عليها خبّاب رضي الله عنه الذي لم يكن ليفارق بيته وعمله اتوه نفر من قريش ليأخذوا سيوفهم الموصى عليها فلم يجدوه في محله، انتظروه حتى اذا أتى سألوه عن سيوفهم فنظر اليهم في عجب وقال رضي الله عنه: هل سمعتم كلامه؟ يقصد كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

فنظر بعضهم بعضا في دهشة وعجب وهم لا يفهمون ما يقول، فيسأله أحدهم في خبث: هل أنت رأيته يا خبّاب؟

فيدنو منه خبّاب رضي الله عنه قائلا له : من تعني؟

أجابه الرجل في غيظ: اعني الذي تعني.

أجابه وهو هائم في نشوته وغبطة روحه: اجل! رأيته وسمعته، رايت الحق يتفجر من جوانبه، والنور يتللألأ من ثناياه، فصاح أحدهم: من هذا الذي تتحدّث عنه يا عبد أم انمار؟

أجابه في هدوء القديسين: ومن سواه يا أخا العرب؟ من سواه من قومك من يتفجر من جوانبه الحقو ويخرج النور من بين ثناياه؟

فصاح آخر وهبّ مذعورا: نخشى أنك تعني محمدا!

فهزّ رأسه المفعم بالغبطة وقال: نعم! هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى الينا ليخرجنا من الظلمات الى النور، تكلم خبّاب تلك الكلمات ولم يعد يدري بعدها ما حدث له، كل ما كان يذكره أنه حين أفاق من غيبوبته التي امتدت لساعات أنه رأى جمهرة من الناس وبصره شاخص الى الأفق البعيد يتلمس النور الذي يفتقده معظم الناس من حوله وهم يحيون حياة الجهل والظلام.

ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم هو ذاك النور الذي يهدي الى تلك الحلقة المفقودة في معظم حياة البشر؟

أجل انه هو، نور على نور،  يهدي الله لنوره من يشاء

واستغرق خبّاب رضي الله عنه في استغراقه وتاملاته السامية بتفكير عميق ثم عاد الى داره ليضمد جراح جسده، ويهيء نفسه لاستقبال يوم جديد، ومنذ ذلك اليوم كان خبّاب قد أخذ مكانه بين المعذبين المضطهدين، لقد عذبه المشركون عذابا لا يحتمله بشر، كانوا يلصقون ظهره العاري بقطع الحديد المحماة حتى اذا ذهب لحمه عن عظمه تركوه.

لقد كان صبره على العذاب اكبر من العذاب نفسه بمئات الأميال ، وليس عجبا في ذلك مع أولياء الله المخلصين الذين جعلهم سبحانه وتعالى يجعله شوكة في حلوق الأعداء فيقويهم على تحمل آلام العذاب.

لقد حوّل المشركون جميع الحديد الذي كان خبّاب يصنع منه السيوف الى قيود وسلاسل، كانوا يحمون عليها النار حتى اذا استعرت وتوهجت طوّقوا بها جسده ويداه وقدماه.

دعونا للحظات مع هذا البطل يروي لنا موقفا له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:

شكونا حالنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد ببرد له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقد احمر وجهه ثم قال: قد كان قبلكم يؤخذ منهم الرجل فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار فيجعل فوق رأسه،  ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخشى أحدا الا الله عزوجل، والذئب مع غنمه، ولكنكم تعجلون.

ولقد تحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم هذه، حيث في عهد الخليفة العادل خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، حيث وبعد أن ساد في عهده الميمون العدل حتى عمّ كل أرجاء المعمورة باتت الخراف تأمن على نفسها من الذئاب بل وتحرسها وهي تسير معها جنبا الى جنب، ومن أراد أن يعرف المزيد عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه والذي قتلته خشية اللهعزوجل فليتصفح سيرة العمرين رضي الله عنهما بدل عكوفه على متابعة التلفاز ببرامجه الساقطةمن مسلسلات وأفلام ومعازف وقينات، ولنتذكر دوما قوله تعالى: ن، والقلم وما يسطرون ، فالعلم نور خاصة عندما نكون مع أناس عظام سطروا التاريخ بسيرهم العطرة، وكما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم يحشر المرء مع من أحب.

انّ الله لبالمرصاد وكما تدين تدان والديان لا يموت

وخاض خبّاب رضي الله عنه معركة الهول صابرا محتسبا، وكانت أم انمار تساعد الكفار في تعذيبه رضي الله عنه، كانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب وتضعه فوق رأسه، وخبّاب يتلوى من الألم كاظما أنفاسه حتى لا تخرج منه زفرة ألم ترضي غرور جلاديه، ومرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما والحديد المحمى فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم حنانا وأسى، ماكان يملك صلى الله عليه وسلم لخبّاب شيئا سوى أن يثنيه على الصبر في سبيل الله، ودعا له صلى الله عليه وسلم دعاء استقبلته السموات طوعا باذن الله: اللهم انصر خبّابا، وتصاب أم نمّار بسعار عصيب وغريب جعلها تعوي عوي الكلاب، ولم ينفع يومها معها أي علاج من هذا الداء سوى أن يكوى رأسها بالنار، وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمى تصبح عليه وتمسي عليه، انّ اربك لبالمرصاد لكل من تسول له نفسه باذلال أحباب الله تبارك وتعالى، أليس هو القائل في الحديث القدسي الجليل: من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب. أجل يا رب! أمنا بك وعليك توكلنا فاغفر لنا مغفرة من عندك واعف عنا وارحمنا واشملنا بعفوك الكريم يا حنّان يا منّان يا ذا الجلال والاكرام.

كانت قريش تقاوم الايمان بالعذاب، والمؤمنون يقاومون العذاب بالصبر والايمان وخبّاب رضي الله عنه كان وحده مدرسة كاملة في الايمان والصبر والتضحية.

انه تلميذ عميد جامعة مكة المكرمة صلى الله عليه وسلم، اول جامعة عقائدية في تاريخ الجزيرة العربية.

تعليمه للقرآن الكريم

لقد تعلم خبّاب رضي الله عنه القرآن الكريم حتى غدا مرجعا يتصل بالقرآن حفظا ودراسة، انه هو الذي كان يدّرس القرآن الكريم لسعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب عندما دخل عليهم الفاروق متوشحا سيفه وهو يعلمهم سورة طه التي كانت سببا في اسلامه رضي الله عنهم أجمعين.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول قوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين يفرش لهم رداءه الشريف ويربت على أكتافهم وهو يقول لهم: أهلا بمن أوصاني بهم ربي

وفاته رضي الله عنه

توفي رضي الله عنه سنة 37 للهجرة.

ولعلّ خير ما نودع به هذا البطل كلمات الامام علي كرّم الله وجهه بعد عودته من صفين حين وقعت عيناه على قبر غضّ رطيب فسأل رضي الله عنه، قبر من هذا؟ وعندما أجابوه بأنه قبر خبّاب بن الأرث، تملاه رضي الله عنه خاشعا آسيّا وقال: رحم الله خبّابا، لقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، ونحن بدورنا نثني على قول الامام علي رضي الله عنه ونقول:

رضي الله عن خبّاب وأرضاه، وصلى الله وسلم وبارك على من رباه.

                       جمع ودراسة : سمير السعدي

ملاحظة: الرجاء من القراء ان وجوا أي خطأ في نص قرآني أو حديث نبوي شريف ابلاغ أصحاب الموقع بمكان وجوده لتصحيحه، فالدال على الخير كفاعله أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

لا تنسونا من دعاؤكم غفر الله لنا ولكم وأماتنا على ملة الاسلام

 

Google
الدال على الخير كفاعلة انشر الموقع لتعم الفائدة للجميع