|
في رحاب آية |
||
|
تمهيد الحمد لله رب العالمين الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن ولي من الذل، والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله العظيم بكرة وأصيلا، لا اله الا الله، ولا نعبد الا اياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون. قل أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون، فريقا هدى وفريقا حقّ عليهم الضلالة، انهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون. اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، واليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، لك الحمد انك على كل شيء قدير، اغفر لنا ما مضى من ذنوبنا، واعصمنا فيما بقي من عمرنا، وارزقنا أعمالا زاكية ترضى بها عنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم.. اما بعد... بعون الله تبارك وتعالى سيكون لنا كل يوم لقاء تحت عنوان في رحاب آية، حيث نستعرض آية من كتاب الله الكريم ونتحدّث عنها تارة بايجاز وأخرى باسهاب حسب ما تتطلبه كل آية كريمة من هذا الكتاب العظيم، ولا أقصد شرح الآية الكريمة تحديدا، وانما استخلاص المعنى العام للآية الكريمة والحديث عنه، والهدف من هذه الدراسة هو فهم آيات القرآن الفهم الصحيح. ولنبدأ بعون الله تعالى في الحديث عن الظلم ذلك أنّ جميع الذنوب والكبائر تنبث من الظلم ، يقول الله تبارك وتعالى في سورة ابراهيم: ولا تحسبنّ الله غافلا عما يعمل الظالمون، انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار
كما نرى هذه الآية تتحدث عن الظالمين ، وقبل أن ندخل في الحديث عن الظالمين كان لا بد أولا أن نعرّف الظلم، والظلم هو البغي والفساد، والفساد هو أي شيء مخالف لشريعة الله تبارك وتعالى، أومخالفا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، أي كل ما خالف الفطرة التي فطر الله عزوجل بها عباده عليها، فالله تبارك وتعالى لا يحب الفساد، والفساد كلمة شاملة لكل شيء سيء على رأسها الشرك بالله تعالى والنفاق، ومن سلم من هاتين الصفتين السيئتين الموجبتين للنار خلودا فقد أمن على نفسه من الفتنة ويرجى صلاحه. والظلم ظلمات يوم القيامة، وهو من الموجبات لدخول النار أعاذنا الله واياكم منه. يقول الله تبارك وتعالى: ولا تركنوا الى الدين ظلموا فتمسكم النار وهل هناك أبلغ من آية كهذه لتخبرنا أن الظلم من موجبات النار؟ اذا كان الله تبارك وتعالى المتفضل على عباده بجلال قدره وكبرياءه وجبروته وملكوته وهيمنته قد حرّم الظلم على نفسه الجليلة قبل أن يحرمه علينا، أليس هذا من أعلى مراتب العدل؟ يقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي الجليل: يا عبادي اني حرمت حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا وعلى هذا فقد نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم لأمر هام هو أن نتحلل من الذين ظلمناهم من قبل أن يباغتنا الموت فجأة: من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو شيء فليتحلله اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم. وعندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم عن المفلس يوم القيامة ما سألهم الا كي يجنبهم النار، فليس كلّ مصلي مصلّ، وليس كل صائم صائم، وليس كل مزكي مزكّ، وليس كل حاج حاج، فهناك حقوق للعباد يجب أن تؤدى قبل أن يدركه الموت دون تسويف، والا كانت عليه ندما وأسفا يوم القيامة وأيّ ندم وأسف ذاك يوم يفرّ المرء من أمه وابيه، وصاحبته وأخيه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم معه ولا متاع، فقال عليه الصلاة والسلام: انّ المفلس من أمتي: من يأتي يوم القيامة- بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وأكل مال هذا، وقذف هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار. ورحم الله من قال: لا تظلمنّ اذا ما كنت مقتدرا فالظلم ترجع عقباه الى الندم تنام عينك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم ورحم الله من قال: لا تظلم الضعفاء فتكون من أشرار الأقوياء. ******** ان للظلم درجات، أعلاه الشرك بالله تبارك وتعالى لقوله عزوجل: انّ الشرك لظلم عظيم، وأدناه أن تظلم ذميا بغير حق، فتكلفه فوق طاقته، أو تأخذ منه شيئا بغير طيب نفس، أو تخونه في عقر دراه وهو يحسن اليك. والذمي هو أي شخص رجلا كان أم امرأة لا يدين بدين الاسلام. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يؤخذ بيد العبد أو الأمة (الجارية) يوم القيامة فينادى به على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، من كان له عليه حق فليأت الى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها حق على أبيها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، قال: فيغفر الله من حقه ما شاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، قال: فيقول الله تعالى للملائكة: خذوا من أعماله فأعطوا كل ذي حق حقه بقدر طلبته، فان كان وليا لله وفضل (بقي) له مثقال ذرة ضاعفها الله تعالى له حتى يدخله الجنة بها، وان كان عبدا شقيا ولم يفضل (يبقى) له شيء، فتقول الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبوه، فيقول المولى عزوجل: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها الى سيئاته، ثمّ صكّ له صكا الى النار. اذا كان مماطلة وتسويف المدين في سداد ما عليه من الدين للدائن يعتبر ظلما، فما بالنا بمن يأكل حقوق الآخرين بالمكر والخديعة والاحتيال، وما بالنا بالذي يطعم أبناءه وأسرته من مال حرام؟ وما بالنا بمن نبت جسده من مال حرام؟ فيا راضيا باسم المظالم تذكر ماعليك من المظالم؟ فالسجن جهنم والحق تبارك وتعالى هو الحاكم، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم، فلنتق الله في يوم لا ندخل فيه القبر الا بقطنة تسد بها أدبارنا، ولنتذكر قوله تعالى: وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا* ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون: يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا. |
||
|
||
|